رمضان والمقاطعة وشربة البطاطس؟؟

الحبيب عكي

رمضان والمقاطعة وشربة البطاطس؟؟

       رمضان شهر التربية، وصدق من قال: "أمر التربية هو كل شيء، وعليه يبنى كل شيء"، تربية على الصبر والتصبر والاصطبار على مقاومة المكاره والثبات على الطاعات، وبشكل تلقائي فردي وجماعي يمتد عبر كل أقطار الأمة وأمصارها، تربية على تزكية النفس واستكمال فضائلها بالتقرب إلى الله تعالى بتحطيم الأهواء ومخالفة شرور النفس وجبروت سلاطينها وغواية شياطينها، وعلى رأسها ما بين لحيي المرء من شهوتي البطن والفرج؟؟، تربية على التحرر من قبيح العادات الاستهلاكية والسلوكية وإحياء الجميل من العبادات الروحية والاجتماعية، خاصة تلك التي جفت منابيعها من حياتنا أو تكاد فحولت الواقع إلى جفاف وجفاء لا يطاق غابت فيه أو تكاد العديد من معاني النبل والإنسانية الحقيقية؟؟، تربية على الوحدة الشعورية والتعبدية والتنسكية والاجتهادية والجهادية بين جميع الفئات الاجتماعية فينمحي بينهم كل ما صنعوه من أوهام العبادة وأصنام التفرقة والصراع، وتحل بدلها آصرة الأخوة والتراحم والتعاون والتزاحم في قوافل الصيام وصفوف القيام لا فرق بين الغني والفقير ولا بين الحاكم والمحكوم، الكل حقا متساوون كأسنان المشط، على أبواب الرجاء واقفون ومن أبواب الخوف وجلون، على الإنفاق والصدقات وكل أشكال التضامن يهبون كالريح المرسلة ولا يريدون من أحد شيئا غير وعد الله لهم بالجزاء والشكور، "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"والصوم عند الله جنة وجزاؤه الجنة؟؟.

 

         أما المقاطعة فبينها وبين الصيام ما بينهما، فالصيام نسك وإمساك والمقاطعة ثقافة وعي وإمساك، إمساك عن الاستهلاك الذي ما فتىء يستعبد المرء ولا يبالي بأي قيد قيده أو في أي بحر قذفه وأغرقه، قيد السلف والاستدانة من الأفراد والمؤسسات والوكالات على مدار السنة والسنوات، أم في البرك الآسنة لأمراض العصر المزمنة بسبب التخمة والبدانة والشراهة؟؟، صدق من قال: "اللهم إني صائم"، عن اللغو والرفث وعن الفجور والعبث، وصدق من قال: "اللهم إني مقاطع"، لكل منتوجات ملتهبة الأسعار، تأتي على القدرة الشرائية لأبناء هذه الديار كما تأتي النار على الحطب وسط الريح والإعصار، مقاطع لكل شركة غير مواطنة ديدنها السعي المفضوح نحو أرباح خيالية قد تكون قانونية أو مغلفة به ولكنها غير أخلاقية، قناطر مقنطرة من مجرد الماء (سيدي علي) والحليب (سنترال) والمازوت (أفريقيا) تجاوزت أرباحه وحده في وقت وجيز 17 مليار؟؟، رمضان شهر التخلية والتحلية شهر الإقدام والإحجام، وبشكل تعبدي وتطوعي لسويعات محدودات وأيام معدودات، سرعان ما يعم عائدها التربوي والاجتماعي كل الأفراد والمجتمع بشتى المبادرات والمراجعات والعبادات والمعاملات؟؟. وكذلك المقاطعة ما هي إلا لمنتوجات محدودات ولأسابيع معدودات، وسرعان ما استطاع غيثها السياسي والاجتماعي كشف الشجرة الخبيثة التي تخفي الغابة، وقانون الغاب الذي لا زال يسري بين الذئاب والحطابة، ذئاب ألقمت المقاطعة أنيابها وأنزفت دمائها وأفدحت خسائرها، حتى أن منهم من طالب بالصلح وتجديد الود والصفح ومنهم من وعد بتخفيض الأسعار وتجويد الخدمات المشفوعة بالهدايا(4+1)والبقية تأتي، ومن يدري ربما انقلبت الأمور يوما وأصبحت العروض كما قال أحد"المداويخ"(1+4)؟؟.

 

         أما عن شربة البطاطس -عفوا- شربة الحليب، ورحم الله المبدع المغربي أحمد "بوكماخ" في رائعته أكلة البطاطس، التي نستسمحه رحمه الله أن ننسج عليها خاطرتنا هذه "شربة الحليب" لما لهذه الأكلة من أحداث خالدة ومعاني لازالت تؤثث واقعنا السياسي والاجتماعي بقوة، خاصة في هذه الأيام الطيبة المباركة التي اختلط فيها الحليب ومشتقاته بالبطاطس و فصائله وفسائله في محاولة يائسة لصنع "حريرة" مغربية حامضة، ربما  لا يعلم اسمها ولا رسمها ولا حموضتها وخطورتها إلا الحكومة وشعب"المداويخ"؟؟.  قالت الشركة ل"المداويخ" اشربوا الحليب واحمدوا الله أيها "الجيعانين"؟، قال "المداويخ" نحن لا نشرب حليب "سنترال" ولا ماء"سيدكم علي" ولا "مازوت" أفريقيا؟،"جوعنا في كروشنا وعنايتنا في روسنا" أو بالعربي الفصيح "تجوع الشعوب ولا تجر من بطونها"، ويكفينا شبعا ونخوة أننا سنظل نحتج ضد غلائه في الفايسبوك؟، قالت الشركة للفايسبوك: "إن بضائعنا رخيصة ولا أرخص رائعة ولا أروع، ف"لا تدصر علينا الكتائب الإلكترونية "للحزب المعلوم الذي يسترزق ب"المداويخ"؟، قال الفايسبوك: "انا حائط من لا حائط له، ومن حق من أوجعتموه في الواقعي أن يلجأ إلي في الافتراضي، ولكم أن تبحثوا أيهما للآخر مخرج أو مدخل"؟، قالت الشركة للشرطة اقبضوا على الفايسبوك والواتساب وكل المواقع الاجتماعية الإباحية العاهرة، وقد سرقت منا ما سرقت من الأبناء والأموال، وأفلست لنا الشركات وحطمت فينا الطنوحات؟، قالت الشرطة نحن لا نقبض إلا على من يملأ الشارع صياحا عرقلة ونباحا، يسفه السياسات ويرفع الشعارات في كذا مسيرات وتظاهرات، أولائك نكسر منهم الظهور ونسيل منهم الدماء ولأجنة حلائلهم منا الهراوات و"البرودكانات"؟؟، صاحت الشركة وا قضيتاه وا قاضياه أحكم على الشرطة ودبج لها السياسي من الملفات والصوري من المحاكمات؟، قال القاضي: "خايبة حتى في التعاويد، أن تكون التهمة "جامجمات وبارطجات"؟، قالت الشركة للسجان أسجن القاضي حتى من باب يا ما في السجن مظالم، ولكما منا الماء والحليب وإن شئتما فحتى"المازت"، قال السجان: "كاع ما حبست كروش الحرام وقد عادت فيها اليوم أبطال، وماؤكم اشربوه وحليبكم ريبوه، أفيعقل أن يرفضوه خارج السجن ويشربوه داخله"؟؟، أسقط في يد الشركة المسكينة فلجأت إلى حكومتها المعلومة، وحتى قبل أن تشكو إليها ما أصابها من "بهدلة و جرتلة"، خرج للتو السيد الحنجوري الناطق الرسمي باسم الحكومة – عفوا – باسم الشركة والقطاع الخاص، فأخذ يرعد ويزبد ويهدد ويبدد ويعيد ويجدد فقال: "نحن سندخل السجن كل مقاطع أفاك..في الحليب وسيدي علي مشكاك..على الشركة والحكومة مشوش بعكاك..للاقتصاد الوطني قد نصب العداء والشراك"؟؟، ارتعد السجان في زقاقه فقال: "قالتها الحكومة..ونحن أبناء الحكومة..أما وقد قالتها الحكومة..فأنا سأسجن القاضي"، وقال القاضي: "أنا سأحكم على الشرطي"، وقال الشرطي أنا سأعتقل الفايسبوكي، وقال الفايسبوكي أنا سأنكز المقاطعين...،إلا "المداويخ" فقد قالوا:"اللهم إننا صائمون..لسلعهم مقاطعون..إمضاء: سكان مقاطعة سيدي علي- سنترال -أفريقيا"؟؟.

 

         أسفي على بلدان درس سياسيوها ورجال أعمالها أيام دراستهم في قراءة "بوكماخ"، ولم يستطعوا بعد دراستهم وهم في مناصبهم أن يتمثلوا ولو جزء بسيطا من حكمة أم "بوكماخ" التي استطاعت أن تؤكل ابنها والأطفال وكافة القوم إلى اليوم أكلة البطاطس، وبمجرد الحوار والإقناع، لا إكراه ولا إرغام في الأكل ولا قهر ولا تهديد، بل في أعقد الأحوال مجرد الحيلة والحيلة أحسن من العار؟؟، أسفي على حكومة تسعى كما يقول أحد "المداويخ"أن تستعيد السياسة المشؤومة للشعار البائد"كل ما من شأنه"، وكل ما من شأنه بمجرد التقديرات والأمزجة الخاصة والأهواء والحزبية والقبلية رغم أنف الدستور والقوانين؟؟، لكن لا علينا فالحكومة والشركات الخاصة قد اعترفت أخيرا بأخطائها وأعلنت توبتها ورغبتها في الصلح وطي صفحة الأزمة والمحنة بل وكل المحن والأزمات؟؟، وأكيد أن الصلح خير، ولكن طي الصفحة فكما أن هناك من يريد طيها فهناك أيضا من يريد فتحها ومن يريد التمعن فيها واستيعاب دروسها ورسائلها، فعلى أي أساس يريد كل منا ما يريد وبأي دفتر تحملات ومسؤوليات و وفق أية أجندات؟؟. وعلى أي ليكن مهما يكن، فلا ينبغي أن يكون هناك أي شيء على حساب النقص الحقيقي من الأسعار أو على الأقل التوازن الدائم بينها وبين الدخل، ولا صلح على حساب الحماية الحقيقية للقدرة الشرائية للمواطن ومحاربة الجشع والاحتكار والزواج العرفي بين المال والسلطة؟؟، ولابد من تفعيل المؤسسات الضامنة ذلك وعلى رأسها مجلس المنافسة والمقايسة وضرورة إعادة توزيع الثروة واحترام الديمقراطية والحقوق والإنصاف في التنمية المجالية؟؟، وهكذا إن أردنا حقا محاربة الفساد والاستبداد، فلا صلح قبل استرجاع 17 مليار المختلسة من المال العام، فهل تجرؤون على ذلك..هل تجرؤون..كلنا يرجو ذلك؟؟.

الحبيب عكي

قيم الموضوع
(0 أصوات)
الدخول للتعليق