النموذج التنموي الجديد و الشأن الديني

الحبيب عكي

هي في الحقيقة، شؤون وشؤون كلها تحتاج إلى الإصلاح ومحاربة الفساد، الشأن السياسي، الشأن الاجتماعي، الشأن الثقافي الصحي ، التعليمي، والعلمي العملي، إلى غير ذلك من الشؤون، لاشك أن الشأن الديني يأتي على رأسها لاعتبارات واعتبارات أهمها:

1-أنه من شؤون السيادة..التي ينبغي أن يعاد فيها النظر بين خضوعها لاختصصات دستورية واضحة، أو غيرها من بنيات الفساد والريع المركب والمتجذر والسائد في مثيلاتها من السياديات وما تواجهه من الصعوبات والضغوطات، مما لا يعرفه أحد وليس من حقه أن يعرفه، رغم وضوح القوانين الدستورية والأركان المذهبية، ولكنها تتيه في واقع الممارسة؟؟.

2- أن الشأن الديني له بنية تقليدية، كثير من أمورها تحتاج إلى التجديد، وكثير من محنطاتها تحتاج إلى الاجتهاد، وملائمة العصر رؤية ومصالح وتدابير و حكامة وشفافية، حتى لا يكون الدين على هامش الحياة، حضوره في حياة الناس الفردية والجماعية بدون قيمة مضافة، لا أمن روحي، و لا استقرار اجتماعي، ولا إنتاج أو تمسك بغيرها من القيم الإيجابية..؟؟.

3- أن الشأن يعرف توترا متزايدا رغم كل الإصلاحات، التي لا تخرج في جانب منها عن منحى الاستفراد والهيمنة على توجيهه وتوجهاته، ففي كل يوم نحارب التطرف وينتعش، وفي كل يوم نحارب استعمال الدين في السياسة وتتدخل السياسة في الدين بشكل سافر، وفي كل يوم نشجع تدين التصوف البدعي والطرقي والقبوري والزوايا والأضرحة، فتنتعش ضدها السلفية المتشددة اتجاه كل البدع والضلالات بما فيها البدع الحسنة وهي ولاشك موجودة وضرورية؟؟.

4- والإشكال أن مؤسسات هذا الحقل الديني يمكن القول أنها قد أصبحت في مجملها متجاوزة في مناهج عملها المتخلفة عن مواكبة العصر وانفجاره المعلوماتي والتكنلوجي الذي استأثر إلى حد كبير باهتمامات وممارسات الشباب، وانعزال مؤسساتها وضعف تأطير علمائها، الذين هجرهم الناس إلى غيرها من المؤسسات والمعاهد والكليات المعاصرة وإلى غيرهم من العلماء و القنوات والحركات وشيوخها وفتاويها، فأصبحوا في الوجود والعدم سواء أو يكادون؟؟.

5- أن هذا الشأن خاصة في جانبه الرسمي لم يستطع توفير الحاجة الأمنية والروحية للمواطنين، لا من حيث عدد المساجد وهي بعشرات الآلاف ولازال فيها خصاص إلى درجة يستعمل فيها بعض الناس لصلاتهم المآرب المخنوقة والساحات، ولا من حيث عدد الأئمة والوعاظ والخطباء، الذين لا زال مسلسل توقيف البعض منهم مستمرا، دون مبررات معلومة ولا لجن تأديبية معروفة ولا مرجعية محاكماتية موضوعة وموضوعية، ناهيك عن أوضاع هؤلاء القيمين الدينين التي لازالت في أسفل كل الأوضاع الاجتماعية والحقوقية، ولم تغنيهم في ذلك انتفاضتهم التاريخية التي ملؤوا فيها شوارع المملكة استجداء وصياحا واستنكارا دون جدوى؟؟.

6- أوقاف الشأن الديني..وهي الأغنى من الغنى ولكنها لا تزال صندوقا أسودا لا أحد يطلع عليه ولا أحد يحق له مناقشته أو توجيهه أو تطويره بما في ذلك المؤسسات العلمية والتشريعية التي لم يسمع لها في الموضوع خطابا فبالأحرى مساءلة أو محاسبة؟؟، أضف إلى ذلك أن كل هذه الأوقاف الغنية والتي تستأثر بها على ما يبدو بمفردها النظارات، لم تغني العديد من المساجد عبر المملكة ولم توفر لها أبسط حاجياتها للممارسة الدينية من توفير الحصائر والدلاء والماء والكهرباء والمكبرات والمكيفات..؟؟.

7- ولازالت الأوقاف تفشل في تنظيم مناسك الحج كل موسم، ناهيك عن القرعة الشحيحة التي لا تلبي حاجة المغاربة المتزايدة وتشوقهم المتعاظم لأداء تلك المناسك، في حين أن غيرهم من الوزراء والبرلمانيين وبعض رجال الإدارات تأتيهم رخصهم ذات اليمين وذات الشمال وبالمجان أحيانا أو على الأصح من أموال الشعب؟؟، ناهيك عن الفشل في تنظيم صندوق الزكاة بأي تنظيم معاصر كان، وحتى الأبناك "التشاركية"أو"اللاربوية" قد أخرجها السياسيون بدل الوزارة إلى حيز الوجود إخراجا عسيرا ولكنه باهت غير منافس بل وأغلى في خدماته من غيره من الأبناك التقليدية الربوية؟؟.

8- الحركات الإسلامية والجمعيات الدعوية المدنية والأهلية، لا تدري مكانها في الموضوع برمته ولا حظ لها من المشاركة فيه ولو بالفتاة، فأحيانا يقبل بها ولو في هوامش ضيقة صرفة، لا يمكن أن تقترب من مساءلة عتمات الفساد أو استغلال الدين لترسيخه والحفاظ على مصالح بعض الزبانية، وأحيانا تكون مرفوضة رغم أنف القانون وتكون مرفوضة ولو بطابعها التربوي والدعوي المعتدل والاجتماعي والخدماتي المسعف والذي يملؤ عجز الدولة وفراغ الوزارة في التأطير والمساعدات وبناء وخدمات المساجد؟؟.

9- الغياب المريع للشباب والعنصر النسوي في هذا الحقل الملغوم، وسيطرة الشيوخ ونوع من الشيوخ بمواصفات ولائية وقبلية أكثر منها علمية أو اجتماعية أو حركية شعبية، فمن غير الاجتهاد المولوي الأخير والرامي إلى إدماج العنصر النسوي في مهنة العدول، وفتح المجال أمام المرأة للوعظ وتدريس محو الأمية في المساجد، ليس في الوزارة على ما يبدو إلا ما يهمش الشباب ويكرس دونية المرأة وعدم أهليتهما أو التوجس منها في الغالب الأعم؟؟.

10- وحتى تسويق النموذج المغربي في الشأن الديني، وإن كان يحظى ببعض القبول في أفريقيا بحكم العلاقات التاريخية القديمة في هذا المجال، ولملابسات سياسوية تغدق على الزوايا والطرقيين الأفارقة على ولائهم وتبعيتهم الروحية والمذهبية، هذا الولاء الذي نتقاسمه بالمناسبة مع بعض الدول الأخرى المجاورة والصديقة، فإنه بالعكس لا يحظى هذا النموذج رغم كل التطبيل ونعوت الوسطية والاعتدال والمذهبية المالكية، لا يحظى بالقبول لا في الشرق ولا في الغرب؟؟.

         فهل سيملك النموذج التنموي الجديد طرحا عمليا لفك كل هذه الإشكالات عن الشأن الديني، الذي قد لا يبالغ أحد اليوم إذا قال أنه أصبح من المعضلات المعاصرة، ليس بحكم التناقضات بين أهله من المتدينين والمنتحلين والمعتدلين والمتطرفين فحسب، ولكن أيضا لما يزرع كل يوم في حقول السياسة والاقتصاد من ألغام خطيرة تتفجر بين الحين والحين  على ضحاياها من الأبرياء وتصيب شظاياها الحارقة الأبناء والأصدقاء قبل الغرباء والأعداء، تعصب طائفي هنا وهناك واقتتال مذهبي شيعي سني وتكفير سلفي وتوحش داعشي ضد..وضد، وتطرف وإرهاب ضد..وضد، وإن كانت معظم هذه الظواهر في حقيقتها مغلفة بأسباب سياسية واقتصادية وصراعات اجتماعية صرفة كانقلاب بعض دول الخليج على الربيع العربي ودخولها في حروب إقليمية مجانية من أجل فرض تدينها المنبوذ، بل وكانوا وراء كل محاولات الإفشال لتجربة التحرير والانعتاق حتى في الدول البعيدة عنهم، ولا ندري هل هذا حظهم من الحقد والكراهية، أم يقظتهم وتشوقهم للزعامة العربية الوهمية، أم مجرد بلطجة و عربدة بذخ بترولي، أم مجرد سفاهة وسخرة مجانية للنظام الأمريكي الإرهابي في حربه ضد ما يسميه الإرهاب؟؟،

ورغم كون الكثيرين يغفلون هذه الحقائق أو يتسترون علىها، فيبقى السؤال ملحا وواضحا وهو، أولا هل نبني حياتنا على الدين أم على غيره من الديكتاتوريات والديمقراطيات؟، وهل نحن مواطنون ذوي حقوق و واجبات أم مجرد رعايا ذوي عطف وصدقات؟، وهل في الدين مرجعية سنة وقرآن أم مجرد سياسة وإكراهات أو هوى السلطان؟، وهل في الدين إشراك حقيقي للآخرين وحرية وإبداع أم مجرد إتباع وتنفيذ الأوامر وفتاوى الحلال والحرام؟،وإذا كان الدين منفتحا فما حدود هذا الانفتاح وهل يصل حد تجاوز الأصيل والأصل في الأمور، أو ما حدود قبول الفلسفات والمذاهب الأخرى بالدين وقد تخالف الأصل العقائدي والتشريعي فيه؟، وهل يستطيع المرء العيش بالدين وحده أو يستطيع العيش بدون الدين إطلاقا؟، أم سيسقط ولاشك في أديان الذات وتأليه الأهواء واستعباده من طرف الآخرين بسم..وبسم..وبسم؟، وهل تغني أديان البشر وأهواؤهم وفلسفاتهم عن دين الفطرة دين الله الحق ومرجعيته الشرعية؟، ورغم ذلك كله فقد يستغني المغاربة عن ..وعن ..وعن..ولكن أبدا لا أظنهم يستغنون عن روحهم ومحبتهم لرسول الله وأخوتهم للمسلمين والعالمين واقتدائهم في ذلك بكتاب الله وسنته رسوله الشريفة:"المحجة البيضاء..ليلها كنهارها..لا يزيغ عنها إلا هالك"؟؟.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
الدخول للتعليق