في موضوع الأساتذة المتعاقدين:تعنت وغياب للتواصل

حميد الُمُعطَى 17 أيلول 2019
2828 مرات

نظمت التنسيقية الوطنية للأساتذة  المفروض عليهم التعاقد تظاهرة  وطنية بالرباط يوم الأحد فاتح شتنبر الماضي وبذلك تنذر بافتتاح غير عادي لسنة دراسية تلفها غيوم التصعيد والتوتر بين الوزارة والتنسيقية.

وسنكون أمام حالة من تمديد لاحتجاجات دامت أكثر من شهرين في السنة الدراسية الماضية التي حرمت آلاف التلاميذ والتلميذات من التحصيل الدراسي خصوصا في العالم القروي والمناطق الجبلية والنائية ما كان لها أن تتم لو تحلت وزارة التربية الوطنية بالحكمة والعقل والتعقل منذ الإعلان الأولي في سنة 2016 عن مباراة توظيف الأساتذة على صعيد الأكاديمياتبواسطة التعاقد.

ومن ثمة كانت الانطلاقة خاطئة منذ البداية بإقرار التعاقد لتشغيل هؤلاء الأساتذة دون دراسة مسبقة للآثار الجانبية لهذا النوع من التشغيل على نفسية المتعاقدين مع العلم أن التعاقد في ميدان التربية والتعليم يعتبر سابقة لم يعرفها المغرب بهذا الشكل وهذا الكم من المتعاقدين.

إن أغلب المغاربة يقترن التعاقد في مخيالهم الجمعي وأذهانهم بالهشاشة وعدم الاستقرار والتعسف والشطط في استعمال السلطة وتأخير اداء الأجور والحرمان من التغطية الصحية والاجتماعية ....إلخ من المآسي التي يعاينونها في الميدان بين العمال الصناعيين وعاملات النسيج وحراس الأمن الخاص ...إلخ من الذين يشتغلون بعقود محددة المدة ومنهم من يجدد العقد بانتظام كل ستة أشهر حتى لا يترسم في عمله.

ومن البديهي أن يستحضر الموظفون الجدد التعاقد ويربطونه بعدم الاستقرار النفسي والاجتماعي ومن ثمة قام الفوج الأخير من المتعاقدين بالاحتجاج على الإهانة والحكرة لهذا النوع من التوظيف الذي يميز في نظرهم وحسب تعبيرهم بين الأساتذة المرسمين والأساتذة المتعاقدين الذين أطلقوا على أنفسهم بعد ذلك الأساتذة المفروض عليهم التعاقد.

ويذكر أن هؤلاء الأساتذة وقعوا عقودا بعد اجتيازهم لمباريات على صعيد الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين حددت فيها شروط القبول وبنود العقود التي وقعوها بعد قراءتها والاطلاع عليها ...ودون الدخول في سجال قانوني حول هذه القضية نترك لفقهاء القانون المدني والعقود والالتزامات إعطاء رأيهم في تلك العقود ومشروعيتها واستيفاء شروط العقد كشريعة للمتعاقدين كما تدعي الأكاديميات الجهوية أو عقود الإذعان المفروضة على الأساتذة وبالتالي عدم الاعتراف بها كما يدعي الأساتذة "المفروض عليهم التعاقد'.

ودون الدخول في نقاش حول خلفيات التوظيف بالتعاقد ومبررات اللجوء إلى هذا النوع من التوظيف لا بأس من التذكير بأن عدة دول تعمل بالتوظيف بواسطة عقود في ميدان التعليم ومنها على سبيل المثال لا الحصر فرنسا انجلترا السويد والكمبودج والهند ونيكاراغوا ودول غرب افريقيا.

وحتى المغرب يلجأ إلى هذا النوع من التوظيف بالنسبة لبعض الخبراء والمستشارين المغاربة أو الأجانب في تخصصات معينة ولمدد محددة في مختلف الوزارات و الإدارات المركزية للقيام بأبحاث ودراسات ووضع اختيارات واستراتيجيات في مجالات معينة تفتقر إليها الموارد البشرية لبعض القطاعات والمجالات.

والخطأ القاتل الذي ارتكبته الوزارة الوصية هو توظيف هذا الكم الهائل من الأساتذة للأفواج الثلاثة 2016/2017/2018 دون دراسة مسبقة لما تعنيه كلمة التعاقد بالنسبة للمغاربة ودون حملة تفسيرية لمسار المتعاقدين المهني والاجتماعي فكانت الانتفاضة وامتدت الاحتجاجات في ربوع البلاد وفي العاصمة الرباط لإسقاط التعاقد ورفع شعار الإدماج أو البلوكاج.

ودام البلوكاج عدة أسابيع بفعل التعنت التي أبدته وزارة أمزازي التي لم تعترف بالتنسيقية الوطنية للأساذة المفروض عليهم التعاقد ولا بمطالبها المشروعة بإنصافهم ومساواتهم مع زملائهم  إلى أن رضخت أخيرا بعد نضالات مريرة ممتدة في الزمان والمكان بصيغ مختلفة انتهت باتفاق أولي بحضور النقابات والمجلس الوطني لحقوق الانسان والمرصد الوطني لمنظومة التربية والتكوين.

ويبدو من خلال  تظاهرة  يوم الأحد أن الملف مازال مفتوحا ولم تتحقق المطالب المرفوعة من طرف أساتذة الأكاديميات كما أن الوزارة المعنية لم تستطع  إقناع المحتجين بالحلول والمقترحات التي قدمتها للأساتذة أطر الأكاديميات.

ففي النسخة الثانية من النظام الأساسي لأساتذة الأكاديميات المصادق عليها من قبل المجالس المختصة  تخلت الوزارة نهائيا عن تسمية الأساتذة المتعاقدين وعوضتها  بأساتذة الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين وبذلك خلت هذه النسخة من كلمة التعاقد والمتعاقدين كما أنصفت وساوت بين هذه الفئة من الأساتذة وزملائهم أساتذة وزارة التربية الوطنية في المهام والاختصاصات والحقوق والواجبات والمسؤوليات والمسار المهني إذ تم نقل هذه المقتضيات ونسخها حرفيا من النظام الأساسي لموظفي وزارة التربية الوطنية حتى تم التطابق بين النظامين   ولم يبق اي تمييز بين الفئتين إلا في نقطتين هما الحركة الانتقالية والانخراط في الصندوق المغربي للتقاعد .

فموظفو الوزارة يشاركون في الحركة الانتقالية الوطنية في حين لا يشارك موظفو الأكاديميات إلا في حركة  محدودة في الجهة التي تنتمي اليها الأكاديمية المنتسبين إليها وموظفو الوزارة منخرطون في الصندوق المغربي للتقاعد في حين زملاؤهم موظفو الأكاديميات فرض عليهم الانخراط في النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد.

وزارة التربية الوطنية تتجاهل المطلبين بحجة إنجاح الجهوية الموسعة واللاتمركز الإداري بالقيام بعملية التوظيف الجهوي الذي سيسري مستقبلا على بقية القطاعات من خلال مندوبياتها الجهوية التي ستتحول إليها الكثير من الاختصاصات الموكولة إليها حاليا وحصريا مركزيا في الرباط ومنها التوظيف الجهوي  أما الانخراط في النظام الجماعي فيفرضه القانون المنظم لهذا النظام الذي يضم مستخدمي وموظفي المؤسسات العمومية.

وإذا لم يتم حل المشكلتين المشار إليهما فإن أطر الأكاديميات سيبقى محكوما عليهم بالبقاء في الجهة التي وظفوا فيها طيلة حياتهم العملية دون أن يكون لهم الحق قي الانتقال للعمل في جهات أخرى من البلاد وهذا حيف غير مقبول ولا سيما في بعض الحالات الاجتماعية كالمرض والالتحاق بالزوج أو الزوجة أو الأسرة أو رغبة شخصية...إلخ

أما مشكل التقاعد فإن النظام الجماعي الذي ألحقوا به فهو أقل معاشا في نهاية الخدمة من الصندوق المغربي للتقاعد إذ بينت الدراسات أن معدل إيراد المعاش في الصندوق المغربي للتقاعد شهريا يتعدى 7500 درهما في حين لا يصل معدل المعاش الشهري في الصندوق الجماعي 5000درهما ومن ثمة التخوف على مصير أطر الأكاديميات.في مرحلة التقاعد.

 بصيغة أخرى يمكن حل المشكل  بتقديم التسهيلات في الحركة الانتقالية بتمكين أطر الأكاديميات بالانتقال إلى أي منصب شاغر في أنحاء الوطن مثل زملائهم أطر الوزارة أما مسألة التقاعد فيمكن حلها في المستقبل القريب بعد أربع أو خمس سنوات بتوحيد صناديق التقاعد كما هو مقرر في إصلاح أنظمة التقاعد.

وعلى الوزارة أن تقوم بحملة تواصلية لشرح النظام الجديد لأساتذة الأكاديميات مع توضيح جميع النقط الغامضة  في هذا النظام في نسخته الثانية المختلفة  عن النسخة الأولى من النظام الأساسي للأساتذة المتعاقدين  ليقتنع الأساتذة المحتجون بمساواتهم مع زملائهم أطر الوزارة في الحقوق والواجبات والمسار المهني والترقيات وبأنهم أدمجوا فعلا وعمليا في أسلاك الوظيفة العمومية وهذا يتطلب تذويب الجليد ومحو آثار ما كانت تحمله كلمة التقاعد من حيف ومخاوف  وبزرع الثقة بين الأطر والوزارة بالتزامات كتابية تقتضي تعميم الحركة الانتقالية الوطنية على جميع الأطر والإسراع في توحيد أنظمة التقاعد ليستفيد جميع الموظفين من نظام واحد.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
الدخول للتعليق