وجهة نظر في نمط الاقتراع

حميد الُمُعطَى 03 تشرين1 2019
363 مرات

تتعدد أنماط الاقتراع في الانتخابات المحلية والوطنية وتختلف من أجل تحقيق ديمقراطية تمثيلية ، ولكل نمط  مزاياه ومثالبه وهو في كل الأحوال غير برئ وغير محايد في خلفياته السياسية.

فنمط الاقتراع المعتمد في أي نظام سياسي لا يعتبر آلية تقنية محضة إذ تنتج عنه تبعات وتداعيات سياسية من خلال النتائج التي يفرزها ، لذلك اجتهدت الدول العريقة في الديمقراطية في البحث عن أحسن الأنماط وأكثرها إنصافا وعدلا من حيث التمثيلية الأساس الرئيس في الديمقراطية..

ومن ثمة تعددت الأنماط من الأحادي الاسمي في دورة أو دورتين إلى اللائحي الأغلبي أو النسبي بعتبة أو بدونها مرورا بأنماط أخرى مزدوجة أو مقيدة أو تشتمل على نسبة من الكوطا تمنح لبعض الفئات من المجتمع كالنساء والشباب والأقليات الدينية أو الإثنية أو الطائفية.

ويرتبط التحكم في النتائج بالإضافة إلى نمط الاقتراع المعتمد التقطيع الانتخابي الذي يتدرج من وحدة ترابية محدودة الساكنة إلى دوائر واسعة إلى الحد الذي يمكن اعتبار الدولة برمتها دائرة انتخابية واحدة وكل خيار تحكمه اعتبارات وحمولات وخلفيات سياسية.

وفي المغرب تم اعتماد نمط الاقتراع الأحادي الاسمي في دورة واحدة وبالأغلبية النسبية في جميع الانتخابات الجماعية والنيابية إلى حدود استحقاقات 2002 النيابية و2003 الجماعية حيث تم اعتماد نمط الاقتراع اللائحي .

ورغم مزايا النمط الأحادي الاسمي في تقريب المنتخب من الناخب في الحي أو الدوار في الاستشارات المحلية وفي المدينة الصغيرة أو جزء من المدينة الكبيرة في الانتخابات الوطنية فإن أصواتا من النخبة السياسية ما فتئت تدعو وتنادي بالتراجع عن هذا النمط الذي يكرس القبلية والزبونية ويشجع البيع والشراء في الأصوات ويهدد بأوخم المخاطر المؤسسات التمثيلية لأنه يفتح المجال لسماسرة الانتخابات بفتح سوق نخاسة محدودة العرض يمكن إغراء ناخبيها من قبل ذوي النفوذ والجاه  بالمال لاستمالة أصواتها ولا سيما في الأوساط الشعبية الغارقة في الفقر والأمية.

وهكذا ابتليت الجماعات ومجلس النواب على مر السنوات والانتدابات بكائنات انتخابية لا يهمها إلا قضاء المآرب الخاصة المادية والمعنوية وتحصين مواقعها الاعتبارية وحماية مصالحها الظاهرة والمتخفية والتستر على ملفاتها وفضائحها بعيدا عن التضحية في سبيل المصلحة العامة أو الدفاع عن البرامج التنموية أو التفاني لخدمة مصلحة الوطن والشعب.

ولا أدل على ذلك من انفجار فضائح الفساد والإفساد وهدر المال العام والاختلاسات التي انفجرت هنا وهناك وتنظر في ملفاتها المحاكم المختلفة في حق بعض رؤساء الجماعات المحلية بالإضافة إلى الأساليب العشوائية والطرق الملتوية التي تدار بها شؤون الكثير من المجالس البلدية والقروية.

وعلى مستوى المجلس النيابي هناك نقص في المردودية في ميادين التشريع والمراقبة والمحاسبة وحضور باهت مادي ومعنوي لنواب الأمة الذين يفتقرون في الإجمال إلى الكفاءات والتجربة السياسية والاقتصادية والمالية  والمحدودة الخبرة في آليات تدبير الشأن العام.

وبالفعل تم التراجع عن نمط الاقتراع الأحادي الاسمي ليحل محله نمط  الاقتراع اللائحي لانتخاب أعضاء مجلس النواب ابتداء من 2002 وفي التجمعات السكانية التي يتجاوز عدد سكانها 25 ألف نسمة سنة 2003 و35 ألف نسمة سنة 2009 بالنسبة لانتخابات أعضاء المجالس البلدية والقروية.

ومع الأسف ورغم إقرار هذا النظام المتطور من الأنظمة الانتخابية لم تتغير النتائج من حيث نوعية المنتخبين وبقيت قبة مجلس النواب ودور الجماعات القروية وقصور البلديات على حالها إذ بقيت نفس الوجوه والكائنات الانتخابية تصول وتجول في مكاتب اتخاذ وصنع القرارات الحاسمة بها بفعل التحكم في خيوط العمليات الانتخابية وتأكيد احتلالها للمواقع الحساسة في مختلف المجالس التمثيلية المحلية والإقليمية والجهوية والوطنية.

وتكرست نفس قواعد اللعب في الانتخابات سواء بالنمط الأحادي أو النمط اللائحي بجعلها مناسبة لسوق نخاسة للبيع والشراء في الذمم والأصوات وإثبات الذوات بشخصنة المنافسة بين لائحة فلان ولائحة علان بصرف النظر عن الرمز الحزبي لهذه اللائحة أو تلك بدلا من جعل الانتخابات مناسبة للمنافسة السياسية بين الأفكار والبرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لربح رهان التنمية.

إن نمط الاقتراع باللائحة لم يحد من الفساد والإفساد الانتخابي وكانت نتائجه محدودة في ضمان ديمقراطية تمثيلية سليمة لعدة أسباب ومنها على الخصوص تطويع هذا النمط وتحويله إلى نمط شبيه بالنمط الأحادي الاسمي بفعل التقليص من حجم الدوائر الانتخابية في التشريعيات لتجمع مقعدين إلى خمسة مقاعد وبالاقتصار على تطبيقه في أقل من مائة جماعة في الانتخابات المحلية.

  وللخروج من هذه الوضعية التي لا تشرف المؤسسات التمثيلية أضحى من الضروري إعادة النظر ومراجعة مدونة الانتخابات في شقها المتعلق بنظام الاقتراع بإقرار نمط مزدوج يجمع بين الأحادي الاسمي لاختيار النخب المحلية ونمط الاقتراع باللائحة الجهوية لاختيار النخب السياسية في التشريعيات لإضفاء الطابع السياسي على مجلس النواب وإمداده بكفاءات حزبية تطور أشغال هذا المجلس وتبعث فيه روحا ودينامية جديدة.

مثال: من المفروض في جهة محددة من المغرب أن يمثلها 12 نائبا برلمانيا ( مثال فقط إذ يمكن أن يمثلها 8 او20 برلمانيا حسب عدد سكان الجهة)سيتم انتخاب ستة منهم بالاقتراع الأحادي الاسمي في دوائر وسيتم انتخاب الستة أعضاء الآخرين بواسطة لوائح جهوية تقدمها الأحزاب المشاركة ( ويتم التصويت بورقة بخانتين خانة الفردي الاسمي وخانة اللائحي الحزبي) يفوز فيها الحاصل على أكبرعدد من الأصوات بالنسبة للفردي والنصف الثاني من المنتخبين يختارون اللوائح بالنسبية المطلقة وبدون عتبة مع اشتراط نسبة معينة من النساء والشباب.

ونفس الطريقة في الجماعة القروية أو الحضرية نصف عدد المستشارين بالدوائر بالأحادي الاسمي ونصف العدد الآخر باللوائح الحزبية عن الجماعة المعنية وتحسب النتائج عن اللوائح بالنسبية المطلقة وأكبر بقية

ولإدماج الشباب والنساء في الحياة السياسية يفرض على كل حزب أن يرشح في الدوائر الأحادية أو اللوائح الحزبيةنسبة محددة من كل فئة.

وبهذا النظام الانتخابي المزدوج ستضخ دماء جديدة في المجالس التمثيلية وستتاح الفرصة لكفاءات حزبية للمشاركة في تدبير الشأن العام المحلي والوطني .

وسيساهم هذا الأسلوب بدون شك في تصالح المواطنين مع السياسة وانخراطهم في الأحزاب السياسية والحد من العزوف الانتخابي وتخليق وترشيد المشهد السياسي والحزبي وتقريب الناخبين من صناديق الاقتراع.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
الدخول للتعليق