وجهة نظر في المدرسة العمومية

حميد الُمُعطَى 13 تشرين1 2019
455 مرات

تميز الدخول المدرسي هذه السنة في إحصائياته بسابقة لم تكن في الحسبان ولا خطرت على بال ولم تتوقعها مصالح التخطيط بوزارة التربية الوطنية لا في الميثاق الوطني الوطني للتربية والتكوين ولا في المخطط الاستعجالي ولا قي الرؤِية الاستراتيجية.

إنها عملية ترحال التلاميذ من التعليم  الخصوصي إلى التعليم العمومي بأعداد هائلة لم تكن في متوقع مما أربك الخريطة المدرسية بالتعليم العمومي وأرغم بعض المؤسسات على تحمل عبء هذا الترحال بالعمل بأقسام مكتظة.

وهذا الترحال بهذا العدد الكبير أنعش المدرسة العمومية وزرع فيها روحا جديدة وكذب الفرضية التي أصبحت شبه حقيقة لدى المواطنين وهي أن المنظومة التربوية في المغرب باتت تملك وجهين، "الأول مشرق تمثله المدرسة الخصوصية وآخر هزيل وضعيف ممثل في القطاع العمومي .».

وبالفعل كان الواقع منذ بداية الألفية الثالثة يقسم أبناء المغاربة إلى ثلاثة أصناف الأول من نصيب الطبقة الراقية (رجال الأعمال وكبار التجار والموظفين والمستخدمين)التي توجه أبناءها إلى مدارس البعثات الأجنبية الفرنسية والأمريكية والإسبانية وغيرها والصنف الثاني من الطبقة المتوسطة (الموظفون والتجار والمسخدمون) التي تسجل أبناءها بالمدارس الخصوصية لتبقى المؤسسات العمومية من نصيب العمال والفلاحين وصغار الموظفين وأبناء الأحياء الهامشية والعالم القروي).

وإذا استمر الترحال إلى المدارس العمومية في السنوات القادمة بهذه الوتيرة فإن المدارس الخاصة سيتراجع الإقبال عليها وتتقلص أعداد المقبلين عليها إلى درجة تكذيب الفرضية التي بنت وزارة التربية الوطنية توقعاتها عليها والتي كانت تراهن على تقدم التعليم الخاص على مر السنوات في استقطاب الأعداد الهائلة من التلاميذ وتخفيف العبء على الدولة من تحمل الميزانيات المتزايدة لقطاع التربية الوطنية.

إن هذا الاتجاه جاء ليصحح السياسات العمومية غير العادلة التي كانت تشجع التعليم الخاص بشتى التحفيزات المتعلقة بالإعفاء الضريبي وبرامج التكوين الخاصة للعاملين في هذا القطاع.وأضحت بعض الدعوات في وسائل التواصل الاجتماعي تؤتي أكلها تحت شعار أنا طبيب مهندس خبير أستاذ خريج المدرسة العمومية وأفتخر.

نعم كان للتعليم العمومي أيادي بيضاء في مسار الأغلبية الساحقة من الأطر المتخرجة من المدرسة العمومية في مختلف المجالات العلمية والإدارية والعسكرية والتكنولوجية والأمنية والتي ساهمت في بناء المغرب ما بعد الاستقلال لما كان التعليم الخاص يتوجه إليه المتعثرون في مسارهم الدراسي في المدرسة العمومية..

إن رد الاعتبار إلى المدرسة العمومية لمن شأنه المساهمة في تكافؤ الفرص وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية بين المدن والقرى وتوحيد أبناء المغرب في الثقافة والتفكير والمرجعية الهوياتية.

إن هذا التحول الإيجابي جاء ثمرة مجهودات قامت بها الدولة في الرفغ من الميزانيات المرصودة للتربية والتعليم وفي البنية التحتية وتوسيع عملية الإطعام وبرنامج تيسير وإعادة تأهيل أكثر من 1800مؤسسة...

ولكن ما شجع على هذا التدفق الكبير والترحال غير المنتظر من الخصوصي إلى العمومي هو التخفيف من اكتظاظ الأقسام بتوظيف أكثر من 85 ألف أستاذا وأستاذة في السنوات الثلاث الأخيرة وإقرار القانون الإطار للتربية والتكوين الذي طمأن الآباء على مصير أبنائهم وبرمجة تعليم اللغة الفرنسية من الأول ابتدائي.

وهناك أسباب أخرى تفسر ذاك الترحال وهو المتعلق بمصاريف التعليم الخاص التي أصبحت عبئا ثقيلا لا يطاق عند الأسر المتوسط ة من مصاريف التسجيل إلي الفاتورة الشهرية إلى واجبات التأمين والإطعام والنقل المدرسي ناهيك عن الأدوات والكتب المدرسية التي تكلف الآباء في المتوسط أكثر من ألفي درهم شهريا.

ومما قزز ونفر الآباء من التعليم الخاص هو شكل المدارس والأقسام الضيقة والمتواجدة في بعض الحالات في شقق سكنية غير متوفرة على الحد الأدنى من الشروط التربوية مع غياب المرافق والملاعب الرياضية والمدرسين غير الأكفاء.

نتمنى أن تبذل الوزارة الوصية المزيد من الجهود والمبادرات ختى يرجع للمدرسة العمومية بريقها وتألقها لتلعب دورها كما في السابق وتنتشر المدارس في المدن والقرى بنفس المناهج والبرامج والمقررات وتتواجد المدرسة العمومية في كل مكان لتتكافأ فرص أبناء المغاربة لينالوا حقهم في التربية والتعليم والتكوين استعد لبناء البلاد وإسعاد العباد.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
الدخول للتعليق