التعيين العمودي بين الفاعلية السياسية والفشل الدريع

فؤاد الشافعي 08 تشرين2 2019
390 مرات

من  الإكراهات  التي تعيشها الأحزاب السياسية اليوم خصوصا الإدارية منها، والتي يكون لها الانعكاس الإيجابي او السلبي  ، على مستويات  التسيير و التأطير ، وضخ الدماء الجديدة في شرايين الهيئات السياسية وجمعياتها الموازية  ، أو ما يسمى عامة بتخليق الحياة السياسية ، هي ظاهرة التمثيل العمودي في مقابل نظيرتها التمثيل الأفقي ، التي نقصد بها تباعا الطريقة المستعملة في  الحصول على المسؤوليات داخل الأحزاب ، سواء من خلال التعيينات المباشرة التي يقوم بها الأمناء العامون ، بفرض بعض الأشخاص داخل مراكز المسؤولية ، أو في المقابل العملية تتم من خلال قنوات الديمقراطية التمثيلية ، والتي تلعب  فيها صناديق الاقتراع ، القناة الأساسية والموضوعية لتولي أي مسؤولية  في تدبير مجالات الشأن السياسي  عن استحقاق وكفاءة .                                           

 فكيف إذن تتم هذه العمليات  الاعتباطية على مستوى التعيين ، وما هي انعكاساتها على التنظيمات السياسية  ومناضليها  كإجراء انتقائي  من جهة ، ومن جهة أخرى  ما هي عواقبها على المواطن في اهتمامه  بالعمل السياسي ؟                                                       

لقد دأب العديد  من أمناء الأحزاب السياسية ، كسنة محمودة  في نظرهم ، إلى عملية اختيار وانتقاء المسؤولين في مراكز القرار ، منذ توليهم الأمانة العامة ، خصوصا على مستوى الإدارة المركزية ، حيث أن كل أمين عام جديد إلا و يقوم بتعيين مدير مقره المركزي ، هذا الأخير الذي يقوم هو الآخر بنفس العملية من خلال  اختيار طاقمه الخاص الذي  سيعمل معه  طيلة فترة الانتداب ، ونفس الشيء يقع بالنسبة للمنسقين الجهويين في اختيار منسقيهم الإقليميين والمفتشين والمراسلين و ربما المحليين كذلك ، خصوصا إذا كان مجاله الترابي لا  يتوفر مسبقا على هذه التنظيمات أو للمنسق الجهوي دراية سياسية بعدم فاعلية المسؤولين السابقين من خلال مدى نجاعتهم في الاستحقاقات الفارطة ، هذا الاختيار الذي يكون من أعلى إلى أسفل ،  سيكون له  بطبيعة الحال مجموعة من التبعات سواء على مستوى السير العادي للأحزاب ،  وطنيا أو جهويا أو إقليميا  ، في ضرب سافر لأبجديات وأعراف الديمقراطية ، حيث يتم فرض مجوعة من الأشخاص على مناضلي الأحزاب من خلال بعض التزكيات الممنوحة اعتباطيا ، وبدون تمثيلية وفي هذا الإطار نميز بين نوعين من الانتقاء العمودي ، الأول يروم تعيين بعض الكفاءات المستحقة، سواء سياسية ، ذات  مرجعية حزبية يطلق عليه اسم الفاعل السياسي ، ويتوفر على مجموعة من المؤهلات والمهارات والمعارف ، استقاها من تجربته السياسية داخل تنظيمات الحزب وجمعياته الموازية ، التي تجعله باستمرار قادر ليس فقط على إقناع المواطنين وتعبئتهم واستقطابهم لإدماجهم داخل نظامه الحزبي ، بل أيضا تأطيرهم سياسيا ومعرفيا من أجل خلق مشروع كفاءات تنضاف مستقبلا إلى رصيد الحزب ، أما الانتقاء الثاني فيروم بالأساس رجالا آخرين يصطلح عليهم التكنوقراط ميدانهم ، بعيد كل البعد عن كل ما هو سياسي حزبي ، لهم عالمهم الخاص الذين يتفاعلون فيه ، اكتسبوا من خلاله هم الآخرون تجربة ومهارة ، إنه عالم المال والأعمال أو بعض المؤسسات المالية أو البنكية أو الأكاديمية التابعة للدولة ، راكموا من خلالها تجربة ميدانية ، إضافة إلى شواهدهم العليا الوطنية والأجنبية ،  تكون بروفيلات تعكس قيمتهم وأهميتهم الحقيقية ، ككفاءات منافسة بدون منازع للفاعلين السياسيين ، وكلاهما يعتبران إضافات هامة وفاعلة  في عملية التعيين لما يمكنهما أن يقدماه من خدمات سياسية للحزب .وفي المقابل نجد في بعض اللحظات تعيينات قد لا تكون في صالح التنظيمات الحزبية وتطلعات المنتقين ، لأنها لم تكن موضوعية و في مستوى النجاعة المطلوبة ، أو أنها كانت عن طريق الخطأ  أو المحسوبية أو الصدفة ، يكون من نتائجها سيل من المشاكل و الاختلالات الغير المتوقعة ، والتي يمكن أن تعصف بجميع المجهودات السابقة في هذا التنظيم أو ذاك فكيف ذلك؟                                                     

قبل الخوض في مشاكل التعيين العمودي يتحتم علينا بادئ ذي بذئ،  التقصي عن شخصياتهم و طبيعة علاقاتهم ، فالأشخاص الذين يتم تعيينهم  بالشكل العمودي ، هم  بطبيعة الحال أناس  محظوظون ، استطاعوا نسج علاقات صداقة أو قرابة ، أو علاقات ذات مصلحة خاصة ، بعيدة كل البعد عن الميدان السياسي ، بما تحمله الكلمة من معنى ، ذلك أن المعين في منصب المسؤولية ليست له أدنى فكرة عن ماهية  العمل السياسي ، وبالأحرى مضامينه وأهدافه ، لأنه ببساطة  لم يكن يوما ما له أية علاقة بالأحزاب ،وليس له أيضا أيما  انتماء سياسي أو جمعوي، قد يشفع له في تدبير ولو صغريات مضامين وأبجديات  أو مشاكل الشأن السياسي على جميع مواقع  التقسيم الترابي  جهويا أو إقليميا  وكذلك محليا بل  يبقى  "التساطيح" والصدفة  ، السلوك الرائد  في التسيير بنوع من الاعتباطية  والعشوائية ، التي تطغى على نشاطه  السياسي داخل هذه الجهة أو ذالك الإقليم . أو من خلال التواكل على بعض المنجمين ، أو السماسرة ممن يدعون الضلوع في معرفة السياسة ودواليبها ، هدفهم الأسمى الاسترزاق بأي شكل من الأشكال ، ولأنهم لم يجدوا في الحقيقة من يكون لهم عونا و سندا في هذه المهمة الجديدة ، التي وكلت إليهم بمحض الصدفة أو الحظ  ،ولا يستطيعون إليها سبيلا ، فيمنحونهم كل الصلاحيات ، ويطأطئون لهم الرؤوس خاضعين و مذعنين .                                                                   

إن هذا الإسقاط العمودي في تعيين  المسؤولين، غالبا ما يؤدي إلى مجموعة من المشاكل على مستوى الجهات والأقاليم ومجالسها ، بين مناضلي الحزب الغيورين الذين يمتلكون من الخبرة السياسية والتنظيمية والتأطيرية  المكتسبة طيلة  مسارهم السياسي الحافل داخل تنظيمات الحزب ، ما يجعلهم يرفضون بشكل أو بآخر، رفضا قاطعا، مجموع ممارسات الإقصاء والتهميش الفوضوية واللا ديمقراطية التي تفرض عليهم ، والتي في غالب الأحيان تتناقض تناقضا كبيرا مع قانون الأحزاب أو في جانبها التنظيمي ، أو على مستوى القرارات العشوائية المتخذة ، الشيء الذي يؤدي لا محالة في آخر المطاف  ، إلى خلق نوع من التحفظات التي تزداد تكهربا يوما على يوم لتصل في الأخير الى صراع سياسي  بين الشبه قيادات و أعضاء  المكاتب على جميع الأصعدة ومسؤوليهم ، ولقد كان بالإمكان تفادي هذه المشاكل في إرهاصاتها الأولية لولا بعض تعنتات المسؤولين ، ليتم بعد ذلك البحث عن المناصرين من المناضلين ، الذين يعانون نفس الإقصاء والتهميش و يحملون نفس المبادئ  ، من اجل الصمود والاستمرارية ، داخل نسق الحزب ، وبكل أشكال النضال المتوفرة والمقبولة والمبتكرة ، بلا هوادة أو مساومات وبانسجام تام ، في الوقت الذي نجد فيه البعض ، اختار الابتعاد كليا عن هذا التنظيم من خلال وضع استقالاتهم ، والبعض الآخر الذي بدأ يفكر مليا  في البحث عن  أول محطة قطار قد تحمله إلى تنظيمات سياسية أخرى.                                                                                              

 من هنا إذن تبدأ  سيناريوهات فن السفالة  كالاستقالات والإقالات  و الملاسنات والبيانات، وتجميد العضويات بين هذا الطرف وذاك ، ومحاولة كل فريق البحث عن مكامن الضعف في الفريق الآخر من أجل الإقصاء ، أو إثبات الّذات على اعتبار ، أن كل طرف يملك الحقيقة والمعرفة ، وأن البقاء لذوي النفس الطويل الذي يمكنهم الصمود وإدارة الظرفية بحنكة سياسية ، توجهها المهنية والكفاءة العالية المكتسبة من تجربة النضال الميدانية السابقة. 

فلا مجال للخطأ إذن ، مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار التفكير والتبصر و الحذر الشديد لأي خطوة تخطوها ، بغض النظر عن حجمها و ظرفيتها ، يمكن أن تكون السبب أو حتى بعضه  في مجريات الأحداث لغير صالحك ، قد تضيع عنك فرصة الصمود أو رد الإعتبار أو نشوة الانتصار، وتدخلك متاهات اليأس والفشل ، فالتربص والترقب بردود فعل الآخر ، سلوك استباقي استشرافي يجب ليس فقط إدراكه ولكن التنبؤ  به ، ووضع الحلول الصائبة ، في الوقت المناسب  أو حتى بدل الضائع ، لاحتواء أسوء الاحتمالات الممكنة ، وتلكم إذن صفات الكفاءات المطلوبة في الفاعلين السياسيين وليس المحظوظين عن طريق العلاقات .

يتضح إذن من خلال ما سبق أن مجموع المشاكل و الإختلالات التي تتخبط فيها  التنظيمات الحزبية مردها في اغلب الأوقات إلى طريقة التعيينات العمودية الغير منصفة ، فالأشخاص الذين يتم تعيينهم من فوق هم في الغالب لا يملكون أية كفايات سياسية أومعرفية يستطيعون بها المناورة والقيادة على طريقة الكياسة من اجل الحفاظ على التنظيمات والدفع بها إلى الأمام ، بقدر استماتتهم في التمسك بالمناصب وعائداته المباشرة والغير المباشرة  ، التي بدؤوا يعتادونها يوما بعد يوم ، إلا أنهم فجأة يتعثرون في صمامات الأمان التي تواجههم في كل ما لحظة ، يحاولون فيها أن يستشعروا قوتهم وجبروتهم الأجوف ، إنهم ببساطة مناضلي الأحزاب  الذين راهنوا مسبقا على تخليق الحياة السياسية، بكل ما أوتوا من مراسة وتجربة مشبعة بمبادئ الديمقراطية الحقة ، لا يخافون فيها لومة لائم أو زوال نعمة اهتم بها الآخرون أضحت عليهم نقمة.                        

قيم الموضوع
(0 أصوات)
الدخول للتعليق