مواضيع تم تصنيفها حسب التاريخ : الأحد, 08 آذار/مارس 2020

تمكنت عناصر الدرك الملكي بقصبة تادلة, فجر يومه 8 مارس 2020 بجماعة اولاد سعيد الواد, و في اطار الدوريات الليلية التي تقوم بها داخل المجال الترابي التابع لها للحد من كل ما من شأنه المس او الإخلال بالأمن, من حجز سيارة من نوع كولف باسات محملة بأكثر من 500 كيلو غرام من مادة مسحوق طابا, موجهة للاستهلاك وقد عرفت عملية الحجز مقاومة شرسة حيث تعرضت الدورية للقصف بالحجارة ليتمكن صاحبا السيارة من الفرار تحت جنح الظلام. وحسب مصادر ريما بريس لازالت الأبحاث جارية من أجل الوصول لمعرفة هوية المتهمين وتقديمهم للقضاء ،وذلك طبعا تحث اشراف النيابة العامة المختصة.

نشر في أمن و مجتمع

تمكنت دركية زاوية الشيخ بتاريخ 03/07 /2020 على الساعة السادسة مساء من اقتحام سرداب على شكل خندق مغطى بطريقة  احترافية من حجز ما يناهز طن من التين المخمر والمعد للتصنيع و500 لتر من مسكر ماء الحياة وتفكيك معمل قائم بذاته ومعداته بمنطقة ام البخت  ببودليت تيمزكيطة  على ضفاف نهر ام الربيع ،وتعد هذه العملية من بين العمليات التمشيطية التي تأتي ضمن الاستراتيجية المتبعة من طرف القيادة الجهوية لبني ملال من أجل محاربة الاتجار في المخدرات ومسكر ماء الحياة على طول ضفاف ام الربيع.

نشر في أمن و مجتمع

لا شك أن المجتمع المدني المغربي قد سجل خلال هذه السنة الآيلة للانصرام 2019،استمراره في الحيوية والفعالية منقطعتي النظير،وعلى مختلف الأصعدة التي ينشط فيها،من خدمات القرب المتنوعة والمعتادة،إلى الاهتمام المتزايد بالفئات الاجتماعية الهشة،إلى الشراكة مع الدولة في مشاريع التنمية البشرية وغيرها من مشاريع القطاعات الحكومية، ولو كانت المعلومة الرسمية متاحة في هذا الصدد لرأينا العجب العجاب،إذ أن كثيرا من السلطات - كما تحكي عن نفسها - أصبحت لا تشتغل إلا مع الجمعيات وإشعاراتها وتراخيصها،ومما جعل المجتمع المدني يستحق لقب هيئة السنة بامتياز،هو ترافعه القوي على قضايا وملفات نجح في جعل بعضها قضايا رأي عام وذات بعد وطني استأثر باهتمام الساسة وصناع القارار،وإن ركب البعض على موجاتها العاتية في الاتجاه المعاكس؟؟.

         لقد نجح المجتمع المدني كجمعيات و وداديات وكتنسيقيات و فعاليات،منتمية كانت أو غير منتمية،في سحب كثير من البساط تحت أقدام الوساطات التقليدية المترهلة والخانعة والطامعة عند الكثيرين، سواء كانت هذه الوساطات من الأحزاب أو النقابات أو الفعاليات المسترزقة في المجال والتي حرقت التزلفات والخيبات مصداقيتها وأوراقها،وممارسة لحق المجتمع المدني في الضغط والاقتراح وقيادة الشعوب ومعانقة همومها،ورغم المحاكمات القاسية والمعاكسة للحريات العامة للمواطنين،فقد تزعمت بعض فعالياته نضالات الحراكات الشعبية في الشمال وفي الجنوب،والعديد من التظاهرات الجماهيرية في الساحات والملاعب،كتنسيقيات أطباء الغد وأساتذة التعاقد وغيرهم من الفئات،ومختلف التجمعات والمسيرات الاحتجاجية في المدن والقرى،والعديد من التظاهرات الفنية والرياضية بشعارات غير مسبوقة قوية وصاخبة تبتك الأذان،وقد أسمعت لو نادت حيا ولكن ربما لا حياة لمن تنادي؟؟.

         ولكن ربما ليس هذا استثناء ولا ميزا فريدا في المجتمع المدني المغربي،فغيره من المجتمعات المدنية في بعض الدول العربية،نجحت في إحياء حراكات الربيع العربي في موجاته الثانية وبأنفاس جماهيرية عاتية أربكت كل الحسابات،بل إن المجتمع المدني في الدول الغربية نجح بعضه في الصعود إلى البرلمانات،ليس طمعا في طلب السلطة وممارسة الحكم،ولكن لإرغام الحكومات على تبني توجهاته المدنية في سياساتها،وتحقيق الشراكة الفعلية وتنافس السياسات وتكامل الديمقراطيات التمثيلية والمدنية وغيرها،ومارس ضغوطه وتوازناته من أجل ذلك،خاصة في تشكيل الحكومات وضمان الأغلبيات والتوافق على التوجهات،فأصبحت بذلك ألمانيا مثلا بفضل "الخصر" تهتم بالبيئة والمسنين أكثر،وأصبحت بريطانيا دلالة على تقدمها تهتم ب"الكلاب" بالدرجة الأولى حتى قبل النساء والأطفال؟؟.

         ولكن بقدر ما كان طيف من المجتمع المدني عندنا يرتبط بالوطن والمواطنين وفي الاتجاه البنائي المنتج الذي يحرر الممكنات و يعبىء الإمكانيات،فإن طيفا آخر لا يزال - مع الأسف - مستعبدا بالهموم الدولية ومنخرطا في الأجندات الكونية، وإن على حساب خصوصيات الشعوب وهمومها الحقيقية، وهكذا وموازاة مع أسياده وأولياء نعمته ومنحه وقبول مشاريعه أو نيابة عنهم ففقد خاض بشكل مقصود وغير مفهوم ولا موفق في مواضيع شائكة كالحريات الفردية واللغة العربية والعلاقات "الرضائية" وحرية الإجهاض..،وقال فيها بل ودعم التشريع ضدها بما يخالف الهوية والمرجعية والانتماء،مدعيا أن ذلك من دواعي التقدم والحداثة،وإن كان من الأبواب المشرعة للتخلف والإلحاق؟؟.

         غير أن الملفت للنظر أيضا خلال هذه السنة المدنية 2019، هو أنه رغم كل الحيوية والفعالية التي قد تميز بها المجتمع المدني المغربي،ورغم كل الحلول الميدانية القيمة التي ساهم بها في تنشيط الساحة الحقوقية الترافعية والتنموية التشاركية (حراكات شعبية و مشاريع وطنية) والساحة الاجتماعية (قوافل طبية و ألبسة وأضاحي ومساعدات) والساحة الثقافية والفنية والرياضية (دوريات دولية وإبداعات وجوائز قيمة ومتعددة ومهرجانات دولية أيضا في نسخ عشرية وعشرينية)،فإن علاقته بمجمل السلطة متوترة وغير مفهومة ولا تؤطرها  في الغالب القونين المعمول بها في الحريات العامة،فبالأحرى الأدوار الدستورية الجديدة 2011، وهذا بدء من:

         1- بدء من تخلي الدولة وضعفها في ممارسة أدوارها الأساسية ومسؤولياتها الجسيمة في قطاعات خدماتية اجتماعية أساسية كالصحة والتعليم والتشغيل والسكن،ليجد المجتمع المدني نفسه منحشرا فيها يملأ الفراغ ويداوي صداع الرأس بالكي والمسكنات والرقية غير الشرعية،لأن الأمر فوق طاقته وليس من تخصصه ولا ينبغي أن يملك اتجاهه أكثر من إثارة الانتباه إليه والترافع بشأنه،وقد تفجرت عن هذه الاختلالات المتغافل عنها كل الحراكات الشعبية الهادرة ذات المطالب الاجتماعية المحرجة؟؟.

         2- وبدء أيضا من عدم امتلاك الحكومة - على ما يبدو - لسياسة مدنية مندمجة ومستمرة،إذ تم التراجع عن حقيبة العلاقات مع المجتمع المدني في النسخة الحالية للحكومة،و بعض المبادرات المدنية الجيدة تذهب بذهاب وزرائها والمبادرين بها، كتجميد مخرجات الحوار الوطني مع المجتمع المدني،وتبهيت يومه الوطني للوزير"الشوباني"،وكذلك غموض مسار السعي لدعم التكوين والشراكة والاقتصاد التضامني والتشغيل الجمعوي للوزير"الخلفي"،وقبلها إبداعات الجامعة الشعبية ومخيمات القرب للوزير الاشتراكي"محمد الكحص"؟؟.

         3- إلى الحيف والريع الذي لا زال يعشعش في الواقع المدني،إذ أن حتى فتاة المنح الجماعية والوزارية لا تمنح للجميع والشراكات والمشاريع التنموية والثقافية لا تقبل من الجميع رغم حرفيتها و وضعها من طرف مختصين وخبراء،وصفة المنفعة العامة وتنظيم الإحسان العمومي وتعبئة الرأسمال الداخلي والخارجي لا تتاح للجميع ولا تتساوى فيه الجهات،إذ نجد جهات متخمة بهذا الصنف من الجمعيات وجهات لا تتوفر على أكثر من جمعيتين أو ثلاثة من هذا الصنف؟؟.

         4- إلى تسييس ما لا يسيس من الأعمال والأنشطة الجمعوية،مما يؤدي إلى السماح بها للبعض وحرمان البعض الآخر منها،والسماح بها في وقت ومنعها في أوقات (كأوقات الانتخابات مثلا)،وقبولها من البعض بمجرد إشعار السلطات بها،وفرض الترخيص عليها للبعض الآخر والترخيص المماطل،وكذلك السماح بالأنشطة في الفضاءات المفتوحة للبعض على مرآى ومسمع الجميع،وحرمان البعض الآخر منها بل وحتى من القاعات العمومية حتى لو كان مؤطروها من الوزراء في الحكومة المسؤولة؟؟.

         5- إلى المعضلة الكبرى والمزمنة والتي تتمثل في تعسف بعض السلطات في حرمان بعض الجمعيات من حق تأسيسها وتجديد مكاتبها واختيار أعضائها وطاقاتها المتطوعة والمتعاقدة،وحق وضع ملفاتها القانونية بوثائقها المطلوبة،والتوصل بوصولاتها النهائية في تواريخها المحددة؟؟،ناهيك عن حق ممارسة أنشطتها وامتلاك مقراتها وممتلكاتها ومشاريعها التي تستعين بها على أنشطتها وتكاليف تدبيرها، ففي كل هذا لا زال الخرق والتضييق يسجل في مواقع دون أخرى وضد حساسيات دون غيرها؟؟.

         مما يجعل العديد من الأسئلة الحارقة مطروحة على الجميع، والتي ولاشك أنها وراء كل هذه الإشكالات المزمنة،من مثل: بين الدولة والمجتمع المدني تكامل أم صراع؟، ثقة شراكة وتعاون أم ريع واستيعاب وأدلجة؟،مسايرة في التوجهات أم معارضة في السياسات؟، ألهذا الحد أصبحت الجمعيات مزعجة؟،إلى متى التعامل معها بالأمزجة والأهواء بدل القوانين والمؤسسات؟،لماذا التفاضل في القوانين والتشريعات بينها وبين التعاونيات والمقاولات وهي مجرد مقاولات ثقافية مدنية؟،هل استنفذت السلطة أغراضها من الجمعيات؟،هل سيكون مصير الهيئات المفضلة الآن عند السلطة مثل مصير الجمعيات والأحزاب ولو بعد حين؟،هل قدر الفاعل المدني "دونكيشوطي" يحارب طواحين التخلف والبهدلة الإدارية،ويحكم عليه حكما "سيزيفي" بسوء النية والمؤامرة في أي مبادرة مهما كانت سلمية وقانونية؟،أين ما نشرعه في دساتيرنا و قوانيننا ودورياتنا من المفهوم الجديد للسلطة،ومن المقاربة التشاركية وسياسة القرب،والديمقراطية والتنمية وحقوق الإنسان..؟؟.ختاما،رغم كل الفسحة الموجودة عندنا بالمقارنة مع الآخرين من أمثالنا،فحبال البعض تلتف حولها وتصرفاتهم تسيء إليها،والإشكال ولا شك كان وسيظل تدافعيا وترافعيا،ولكن،نرجو أن يكون النموذج التنموي الجديد والسنة القادمة 2020 وما بعدهما مما يخفف من هذه الإشكالات المعضلة المزمنة المكبلة المتفاقمة في الحقل المدني المغربي لما فيه خير البلاد والعباد، نرجو ذلك؟؟.

نشر في أقلام حرة

في "المقدمة " أشار " ابن خلدون ": إن "المُلك بالجُند والجُند بالمال والمال بالخراج والخراج بالعمارة والعمارة بالعدل" ، فتأويلا
فإن الدولة لها امكانية فرض المناعة لذاتها بحماية كيانها و منظومة استمراريتها عبر الضرائب لتقوية اقتصادها و فرض دولة الحق و المساواة و القانون و العدالة بين فئات الكيان داخل هذه الدولة .
 

و على الرغم من تمسك الخطاب الرسمي في الدولة المغربية بمصطلح الوطنية للحفاظ على الثوابت و المؤسسات و استثمار الطاقات ... لكن تظل هذه القيم الايمانية قاصرة للمضي في هذه الفلسفة ، فالشرخ الواقع بين المدني و السياسي و الاقتصادي ... الذي نواكبه قسرا بصرف النظر عن الدعوات لإيجاد العيش المشترك و توحيد الخطاب و تقاسم خيرات البلاد  ... للوصول جزئيا الى مفهوم الدولة المواطنة الذي تتنادى لها القوى الغيورة بالبلاد ، و لابد الاعتراف أن هنالك تنظيمات مدنية وسياسية اقتربت عناوينها و تلامس هذا التنادي لكنها لا تستطيع ملامستها او حتى التماهي معها لعوامل لا تحتاج الى التنجيم او العِرافة .

و من غير الشك أن هنالك أسئلة رديفة في الذهن عن الدولة (الوطن) و واقعها و دور الحكومة أو اللجان الاجتماعية و الاقتصادية... في ايجاد مخارج ، و هذا الواقع يعرف اخفاقات واضحة بإخفاق الحكومة التي جعلت من خلط نفسها بالوطن و اضحت تعتبر التفاهمات مع الريع و الفساد و تخريب البنى الفوقية (الوعي) و البنى التحتية مكسب من شعرة ذيل الخنزير مما دفع المواطن يشك تماما في جدوى المؤسسات من خلل اداري وهدر و ريع ... و هي الحالة الكائنة التي اضحت الحالة الوطنية للمغاربة ، و في ظل هذه الوقائع فإن الارتهان بالمختبرات و التجارب الغربية لن تغير من الواقع شيء لأن التغيير هو تغيير السلوك و الذهنية  ، فالعلاقة التي يجب ان تكون بين الدولة و الشعب و الحكومة جدلية و عضوية من حيث الحق و الواجب و الالتزام لبناء دولة قوية متينة .

أما مناسبة هذا القول هو مرور الميلاد الاول "للجمعية الوطنية لمهنيي قطاع تموين و تنظيم الحفلات و التظاهرات " الذي تزامن مع التركيبة للجنة الخاصة التي عينها جلالة الملك ل "النموذج التنموي الجديد " و الذي كما هو معلن ستعمل على تقديم اجابات واضحة و تفكيك الخلل وكيفية تعامل المنظومة الريعية مع المؤسسات و التركيبات العمودية و الافقية ( مجتمع مدني ، نقابات ، جمعيات ...) الذي يرتبط بالريع و الزعامات و منظومة النفوذ التي تخترق مفاصل الدولة ، و تداعياتها على ما سبق و على منظومة القيم بالمجتمع و التملق للسلطة و ما ينتج عنه من استعراض تفاخري من القرب من مالكي القرار و صناعته بشكل فضفاض دون رادع دون قوانين ناظمة على باقي ابناء الشعب ...
فالغني عن القول أن ما تم ذكره من مؤسسات  و الهيئات المدنية المعدة على المقاس متورطون في الريع و اضحت معه منظومة علاقات بحيث انعكست على السير العام للدولة و اضحت رهينة ضمن هذه التشكيلات و هنا تعد عقدة المنشار في التحول الى الدولة كما اشار " ابن خلدون " في مقدمته ، بالتالي فجلالة الملك من خلال التوجهات العامة في توزيع عوائد التنمية و العدالة في التنافس و الحد من هيمنة الاقلية الريعية الماسكة بتلابيب القرار و سيادة القانون و التكافؤ و بحقوق المواطنين القانونية و الدستورية ... و الا خلاص للبلاد ( سواء عبر لجان خاصة او غيرها ) إلا عبر سيادة القانون باعتباره الضامن للقطع  مع هيمنة الريع و تشكيلاتهم  و الفساد و اصابعه و النفوذ و المتقنفذين داخل الدوائر الرسمية .

فمن خلال القطاع الذي نشتغل فيه التنظيم و التجهيز و اطارنا المدني عبر ربوع المملكة " الجمعية الوطنية لمهنيي قطاع تموين و تنظيم الحفلات و التظاهرات  " بصرف النظر عن التأني و البطئ لعوامل تم ذكرها و غيرها ، تم رصد حالة للمدرسة الكلاسيكية الريعية التي تعمل كما تعودت عبر الدجل و الشعوذة (المكرومات و المنح و التسهيلات و الرشاو ...) بمعنى أن هذه المنظومات اسست لنفسها عقلية رعوية صلبة من خلال الهيمنة على كل الصفقات في ذات الاطار بل وصل الحد الى الاعلان لأحد المحضوضين أنهم يقعون ضمن "الرضى المولوي " فيتم دعمهم ماديا و معنويا و تسهيل لهم كل الامكانيات و الطاقات  ! قد يكثر الجدل هنا حول الريع و الفساد و نفقات الدولة و علاقته بالمواطن ، بل إن التركيز الضمني المعتمد في هذا التوضيح هو الاشكال السلوكي في بنية الدولة ككل و منظومة القيم
حيث تعد نكبة على الكل ، لماذا و كيف ؟ فهذه المسلكيات الفاسدة الريعية عمقت الخلاف بين المواطنين اضافة الى مفهوم " الحضوة " و " القرب " و كذا الهيمنة على المال العام و توزيعه على التوابع مع تعقيد المساطر و البيروقراطية للموطنين الحقيقيين  في مجالات و انشطة اقتصادية عدة مما يتقاطع مع المساواة و الديمقراطية ، مما يعني أن الفاعل الوطني الجاد بهذا البلد و التسويق الاعلامي بفتح الابواب هو شكل استهلاكي و هنالك أبواق للمنظومة الريعية و الاقلية المهيمنة على النشاطات الحيوية الكبرى و المتوسطة  و حتى الصغرى لها ادواتها الفجة التي تقدس و تبجل و تبرر سلوكياتها التدميرية للوطن و الانسان لافتقادها للحس الانساني أو ضمير يضعها ضمن التنادي للقوى الوطنية .

بالتالي الي أين نذهب بكل هذه التوصيفات الواقعة بالبلد ؟ و كيف نتجاوز الاقتصاد الريعي من إسقاط مفهوم الدولة و كذا هذه الوثنية المدنية و السياسية و الاقتصادية  ؟

من المفترض أنّ الدولة تكرس نفسها لمواطنيها و تضمن حقوقهم و مساواتهم و هيكلة الاقتصاد بالاتجاه الانتاجي المتنوع و المستدام و الانخراط في العمليات  التي ترسمها الدولة و تحقق التطلعات ضمن العقد الاجتماعي الجديد المتوافق عليه و التوافقات السياسية و طرق التدبير و الخيارات التفصيلية الاخرى  و ليس العكس باستعمال الريع للسيطرة على السلطة و احكام القبضة على المجتمع و مؤسساته  و تجريد التحول الديمقراطي الذي يعيشه المغرب من محتواه ، و حتى ان جزمنا حسما أن هذا التحول على أهميته لكنه يقع ضمن مساحيق التجميل إذ لم ترافقه عناصر و شروط موضوعية من قبيل : تجاوز الاقتصاد الريعي للدولة الى انتاجي و من سلطة الريع الى سلطة وطنية و اشراك كل الفاعلين الجادين الوطنيين بدل التهميش و توزيع الثروة بدل المحاصصة بين أبناء الدولة و خدام الفساد و نشر القيم الخلاقة المبدعة بدل الاستحمار و اعلام الانحطاط ... بالإضافة أننا كمغاربة يجب التفكير في أنفسنا و ليس في العالم و كدا تكون الدعوة صريحة و قوية و واضحة في مواجهة التشكيلات الريعية المافيوية الفاسدة و التي هي ليست بدولة و لا هي مؤسسات بل هي منظمات اجرامية تشتغل امام انظارنا مما يجعلنا كمواطنين معتقلون شعوريا في واقع ، يدمر كل الافق و الطاقات و يمنعنا من الحركة و يجعل عجلة التاريخ تدور في الفارغ  ،  و بالتالي تأكيدا على ما سبق يجب على الدولة تأهيل ما أنتجته أو يتم تحيدهم و تأهيل المواطن للمراحل الاتية .


نشر في أقلام حرة

لاشك أن أجيال اليوم من الشباب أو بعضها على الأقل ممن كثر أو قل،تعاني العديد من التوترات والاضطرابات وحتى من الانحرافات التي تنغص إن لم تهدد حياته واستقراره وأمنه الروحي والنفسي والجسدي،بل وحتى تعايشه السلمي مع أهله والآخرين في المجتمع،ولعل من أهم أسباب ذلك ارتماء هؤلاء الشباب رغما عنهم أو باختيار منهم في براثين ثقافات الآخرين ومسالك لغاتهم وألسنهم،واللغة واللسان جسر الثقافة وموردها الأساسي،والثقافة في الأول وفي الأخير هي ما يحدد أفكار هؤلاء الشباب بالسلب أو الإيجاب ويبلور سلوكهم بالخصوصية الوطنية أو الاستلاب،و من الاستلاب فساد الذوق الفني والأدبي والرياضي والإعلامي،وميوعة التدين ربما إلى درجة لا يحل صاحبه حلالا ولا يحرم حراما ولا يقف عند حدود الله؟؟.ترى ماذا فقد هؤلاء الشباب بهجرهم ثقافتهم الإسلامية الأصيلة وازدرائهم بعض لغتها العربية الجميلة،وماذا يمكنهم أن يسترجعوه إذا ما بذلوا بعض الجهد الذي سيحررهم ويعود بهم إلى محاضنها اللغوية العربية الثرية والثقافية والدينية الطبيعية والآمنة ؟؟.

        وإذا كانت الثقافة بمعناها الأنتروبولوجي هي كل ذلك المركب الكلي من الأفكار والعقائد والعادات والعبادات والقيم والسلوكات...التي تطرأ على المرء في بيئته وكل ما يكتسبه ويتصرف به بعد ولادته في أبعاده التربوية والعلائقية،فإن اللغة ركن من أركانها الأساسية وموردا من مواردها الثرية،ويسجل السوسيولوجيون أن استلاب هذه اللغات الغريبة اليوم قد ذهب بشباب العصر كل المذاهب وتاهت بهم كل المتاهات:"...انخراط في عصابات الإجرام والمخدرات..وشبكات الدعارة و"الدعشنة" والتطرف والإرهاب..عنف غير مسبوق ضد المواطنين الأبرياء في الشارع..وحتى في البيت ضد الفروع والأصول..وجرأة غير مسبوقة في ممارسة الشذوذ وطقوسها الشيطانية..ومن ذلك المناداة بالإفطار العلني والجماعي في رمضان...وكأن شبابنا لم يعد محصنا ضد أي شيء،وهكذا وحتى قبل أن يجد نفسه في ديار الغربة أو بين شباب المهجر،يستلب بعضهم في لغته ويتحلل من قيمه ويتخلى عن دينه وثقافته،بل وقد يعاديهما ويحاربهما في العالم الواقعي والافتراضي ويتزعم ضدهما المعارك والغزوات في عقر داره نيابة عن الأعداء وبالمجان"؟؟.

        لقد وصلنا مرحلة من الغزو الفكري والاختراق الثقافي غير مسبوقة،خاصة مع انتشار العولمة المتوحشة وما يسمى بالفوضى الخلاقة والتي عنوانها البارز هو التحلل من القيم وازدراء الأديان..،مرحلة وكأن الأمة لم تعد فيها تجتمع على شيء أو تكاد،حتى كلياتها الخمس والمقاصد المعلومة من الدين بالضرورة،حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال،الولاء والبراء وغيرها من مبادئ العقيدة وأحكام الشريعة،وإذا بالإخوة الأشقاء يشنون الحرب على الإخوة ويتحالفون ضدهم مع الأعداء،ويختلفون حول التطبيع مع الكيان الشيطان،ويسمون المقاومة تطرفا والحراك العربي من أجل التحرر والإصلاح فتنة..،وكل يوم يبتلعون لسانهم على مستوى اللغة حتى انتقلوا من تدريس بعض اللغات الأجنبية في مدارسهم إلى التدريس بها وعلى حساب لغتهم العربية التليدة،ومن يدري ربما تدينوا بها يوما بما عرب أو عجم؟؟،ولا يزالون رغم كل ذلك يدعون بكل وقاحة أن لغتنا العربية هي أجمل اللغات،صدقوا وهي لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وعبادة الذكر وجلال الدعاء،وباعتبارها لغة الفكر والسلوك وليست لغة الكلام من أجل الكلام فحسب،وباعتبارها لغة الهوية والسيادة وليست لغة الاستلاب والذوبان المجاني في الآخرين،وأن اللغة العربية بهذه المعاني الجليلة والشاملة يمكنها أن تكون بل هي ولاشك حبل النجاة للطفولة والشباب بل حبل الأمن الروحي والثقافي والسلوكي للأمة ككل،اللسان وللإنسان؟؟،

ولكن ورغم كل شيء،فحقا وصدقا يبقى اللسان العربي هو اللسان العربي،لا يزال كما هو معروف عند الجميع،لسان صدق وحق ورفق وعدل،لسان فصاحة وبلاغة واشتقاق وبيان،ويمكنه ومن موقع القوة بحمولته وإسعافه للعلماء والباحثين والمبدعين..،أن يساهم في علاج مشاكل الطفولة والشباب ويضمن أمنهم الروحي والثقافي باعتباره:

1-  يحدد الهوية والمرجعية والانتماء،

2-  يضبط المفاهيم ويحدد حكمها حسب هذه المرجعية،

3-  يصحح السلوك وفق هذه المفاهيم وأحكامها،ويبين المقبول منها وغير المقبول.

4-  يحل لنا العديد من الإشكالات التي طالما تخبطت فيها حياة الشباب حسب تصوراتهم وتصرفاتهم ومنها:

1-  مسألة العقل والنقل.

2-  مسألة القضاء والقدر.

3-  مسألة حب أو كره الآخرين والتعايش معهم.

4-  الموقف من ثقافة الآخر،ما يؤخذ منها وما يترك.

5-  أسبــاب التوتر والقلق ومداخل الهدوء والسكينة وحواملها.

6-  مسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة والسلوك المدني.

7-  مسألة تجاوز الذاتي والمحلي إلى الارتبـــاط بهموم الوطن والأمة.

8-  مسألة الإيجابية والتفاؤل والأمل و حب العمل و تشجيع المبـادرة والفعالية.

         إن في لغتنا العربية الجميلة يا شباب ما يستحق التبني والحذق وتشجيع الاستعمال،وما به يتم الإتباع والإبداع والأنسنة والمؤانسة والإمتاع،وقد ورد عن ابن تييمية معنى قوله:"ما خالطت العربية لسان امرئ إلا أثرت عقله وخلقه ودينه إثراء قويا قد يبلغ أو يشابه ثراء رجال صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين والسلف الصالح"؟؟،أو كما يقول عملاق الأدب العربي والإسلامي مصطفى صادق الرافعي:"ما ذلت لغة قوم إلا ذل،سجن لغتهم في لغة غيرهم سجنا مؤبدا،والحكم على ماضيهم بالمحو والنسيان،وتقييد المستقبل في أغلاله،وهمومهم في همومه،وأمرهم في أمره"؟؟.أو كما قال عمر الفاروق رضي الله عنه:"لقد كنا أذلاء فأعزنا الله بالإسلام(ولغة الإسلام)..فإذا ابتغينا العزة في غيره (أو غيرها) أذلنا الله"؟؟.

نشر في أقلام حرة

جاء  في خطاب ألقاه الملك بمناسبة الذكرى السادسة والستين لثورة الملك والشعب، أن الغاية من تجديد النموذج التنموي هو تقدم المغرب، وتحسين ظروف عيش مواطنيه، والحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية.

وأوضح الملك مهام اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، وقال إن لديها مهمة ثلاثية: تقويمية واستباقية واستشرافية، "للتوجه بكل ثقة نحو المستقبل"، مؤكدا على الطابع الوطني لعمل اللجنة، وللتوصيات التي ستخرج بها، "وللنموذج التنموي الذي نطمح إليه: نموذج مغربي- مغربي خالص".

وقال شكيب بنموسى رئيس اللجنة المكلفة بإعداد النموذج إن دفتر التحملات بخصوص لجنة إعداد النموذج التنموي المغربي ينبغي أن يكون مغربيا- مغربيا، وذلك يعني أنه ينبغي أن يستفيد من المكتسبات المحققة، ويحدد نقاط الضعف الموجودة، من أجل بناء نموذج مغربي، لكن ذلك لا يمنعه من الاستفادة من التجارب الأجنبية.

وهذا يتطلب، برأي بنموسى، تشخيصا "صريحا" و"موضوعيا" للواقع، من خلال رصد المنجزات، وهي كثيرة برأيه، لكن أيضا الوقوف عند النقائص، التي تجعل هناك بونا شاسعا بين واقع المغاربة وانتظاراتهم.

وعندما يتحدث بنموسى عن نموذج تنموي جديد، فهو يقصد نموذجا شاملا، يعنى بكل مجالات التنمية. فهو نموذج اقتصادي، ينظر في إنتاج الثروة، وإنتاج الشغل، وإنتاج القيمة المضافة، عن طريق المبادرة والمغامرة والإبداع.

وهو نموذج اجتماعي تجسده العناية بالرأسمال اللامادي، من خدمات اجتماعية، وتوزيع للثروة، وتربية، وصحة، وتشغيل، ونقل، مع بحث آليات توزيع الثروة، لتحقيق عدالة اجتماعية.

وهو نموذج يبحث عن اللحمة الاجتماعية التي قوامها رأسمال الثقة، التي بإمكانها أن تحرر الطاقات، لكي تعمل من أجل تحقيق أهداف التنمية.

وهو نموذج مستدام يفكر في التغيير المناخي، وقلة الماء، والطاقة، وصحة المواطنين، وتلوث الهواء، وجودة التغذية.

وهو نموذج يسائل الحكامة على المستوى الوطني والدولي، لكي نصل إلى نوع من التعاقد الاجتماعي، الذي يسمح بالعمل على المستقبل.

وكل ذلك يعني أن النموذج الحالي لم يعد قادرا على حل مشاكل البطالة والصحة والتعليم والسكن، مما يستدعي تجديدا عميقا للنموذج التنموي الذي تعتمده المملكة،  و"هذا رهان لا يمكن كسبه دون ثقة بين الفاعلين من أجل كسب المعركة ضد المعضلات التي تعوق التنمية".

أنه من الواضح اليوم أن المجهود العمومي، الذي قامت به الدولة أظهر محدوديته، خاصة فيما يتعلق بآثاره، على الحياة اليومية للمواطن المغربي، لأن "اختيارات الدولة في مجال السياسة العامة لابد أن تنعكس على المعيش اليومي للمواطنين المغاربة".

و يمكن الإشارة الى ان عددا من التقارير الدولية، بدأت منذ مدة تتحدث عن محدودية النموذج التنموي المغربي المعتمد حاليا ، و منها الدراسة الأخيرة التي أنجزها البنك الدولي ، ثم الدراسة التي أنجزها البنك الإفريقي للتنمية حول معيقات التنمية بالمغرب ، فضلا عن التقرير السنوي الأخير لبنك المغرب، حيث اشار هذا الأخير في مقدمته على مسألة المحدودية التي يعرفها النموذج التنموي المغربي ، و أكد على ضرورة مراجعته، إضافة إلى السياق الدولي الراهن المضطرب ، حيث ان عددا من الدول المتقدمة اصبح مسؤولوها يقحمون في خطاباتهم السياسية ، مسألة مراجعة النموذج التنموي كفرنسا واليونان.مثلا

 أن النموذج التنموي المنشود، يرتبط بجيل من الإصلاحات تتطلب بالضرورة جيلا جديدا من النخب الحكومية،والإدارية والبرلمانية وممثلي الجماعات الترابية الكفيلة برفع التحديات التي تضع المملكة على أعتاب مرحلة سياسية وتنموية جديدة.

النموذج التنموي المغربي القائم حاليا، مختلف عن النموذج التنموي للست سنوات الأولى للاستقلال، كما انه مختلف بالقدر نفسه عن نموذج " اجماع واشنطن " الذي تستلهمه مشاريع الإصلاحات الهيكلية. تتمثل في هيمنة دور الدولة في مجالات الاستثمار العمومي، وتقنين السياسات الاقتصادية ولاجتماعية، مع بعض الانفتاح على الاقتصاد الليبرالي، وعلى نوع من الاندماج في العولمة و نموذج حكامة يفترض انها تتطلب، على األآقل حسب منطوق نصوص القانون، مؤسسات للتداول والتنفيذ والمراقبة. و قد كان الأداء الاقتصادي لهذا النموذج في بداية عقد الألفية جيدا، نظرا إلى الظرفية الدولية المواتية، وإلى تحكم جيد نسبيا في الميزانية و مصداقية السياسة النقدية، جنبا الى جنب مع إصلاحات هيكلية و إطار مؤسساتي مستقر. و حين جاء إختبار الأزمة الدولية ، ظل الاقتصاد الوطني صامدا في مرحلة أولى امام الصدمات الاقتصادية و المالية ، قبل ان تبدأ نقاط هشاشته تفصح عن نفسها بشكل تدريجي. و نتيجة نموذج اقتصادي منهك، عرف الاقتصاد الوطني نموا حيويا خلال بضع سنوات دون ان يسمح له رغم ذلك بتصحيح اختلالاته الداخلية والخارجية بشكل مستدام.

إن "فشل" النموذج الحالي هو "تحصيل حاصل" لعدة تراكمات،

 أن النموذج المعتمد حاليا "يعول على الاقتصاد الحر والاستثمار بينما لا يوفر الشروط الأساسية لذلك كالإصلاح المؤسساتي والشفافية ومحاربة الرشوة وتبسيط المساطر الإدارية، إذمازال يعاني من معدلات الأمية العالية كما أن مُخرجات المدرسة الوطنية ضعيفة جدا بمعنى أن الرأسمال البشري ضعيف" ينضاف إلى ذلك أن "المغرب لم يذهب بعيدا على مستوى الدمقرطة والحقوق والحريات".

في الماضي لم نسمع في أدبيات التنمية بالنموذج التنموي وإنما كان المغرب يعمل بالمخططات والتصاميم الخماسية والثلاثية كما أخذ في العقد الأخير بالاستراتيجيات القطاعية في السياحة (رؤية 2030 )والتعليم (الاستراتيجية)والصيد البحري (أليوتيس)والفلاحة (المغرب الأخضر)والأوراش الكبرى مثل كهربة العالم القروي وفك العزلة عن البوادي والتزويد بالماء الشروب والموازنات السنوية في حين يمتد النموذج إلى 10 أو 15 سنة  والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية البرامج الحكومية ( التصريح الحكومي) ولم تصدر أية وثيقة في هذا الاتجاه باستثناء تقرير الخمسينية ولم تكون أي لجنة على هذا المستوى باستثناء خلية للتفكير كونها الحسن الثاني للعمل بجانبه ولم يكن لمصطلح النموذج التنموي انتشار في عالم الاقتصاد والسياسة والاجتماع.وحتى الأحزاب السياسية كانت توظف مصطلحات أخرى للتعبير عن البدائل التنموية كشعارات وبرامج انتخابية أو من أجل تعاقد سياسي واقتصادي واجتماعي جديد ومن أجل نفس ديمقراطي  جديد ومن أجل جيل جديد من الإصلاحات.

ويمكن للجنة التي عينها الملك من كفاءات متعددة ومختلفة الاختصاصات أن تقوم بالتشخيصات للاختلالات التنموية والبحث عن الوصفات للعلاج من أجل مواجهة المعضلات والمشاكل التي تنخر البلاد في مختلف المجالات وعلى مختلف المستويات وبدون شك ستنجح في مهامها إن هي عملت بطريقة تشاركية مع جميع الفاعلين من أحزاب ونقابات ومجتمع مدني.

وهذا لن يثنينا عن تقديم بعض الاقتراحات التي  تتواتر هنا وهناك في أدبيات المهتمين بمجال التنمية من قاعلين سياسيين واقتصاديين واجتماعيين وهي على سبيل المثال لا الحصر:

ـ تعبئة الإمكانات المالية اللازمة  لفائدة تنمية العالم القروي والجبلي أي المغرب العميق ودعم الفلاحين الصغار والاستغلاليات المتوسطة، والتشجيع على خلق أو الانضمام إلى التعاونيات، وتحفيز وتكثيفُ عملياتِ تحويلِ المواد الفلاحية، عبر إنشاءِ وحداتٍ صناعيةٍ في المجال القروي

ـ توسيع الوعاء الضريبي،وتنظيم القطاع غير المنطم للمساهمة في المداخيل الضريبية والجبائية ومحاربة الغش والتملص الضريبيين، والتفعيل الصارم لمبدأ المساواة أمام التحملات العمومية، واعتماد نظام جبائي بديل يقوم على مبادئ التضامن بين الفئات والطبقات والأجيال والمجالات.

ـ إحداث القطيعة مع المقاربة الضبطية التي تؤطر  التقطيعات الإدارية والتقسيمات الترابية، وإحلال المقاربة التنموية بشكل حاسم، وتعميم  الاقتراع العام المباشر في انتخاب جميع رؤساء  الجماعات المحلية والإقليمية والجهوية وفرض شروط انتفاء الهئات التمثيلية بحد أدنى من التعليم والمعرفة و بلورة إصلاحٍ عميق للتنظيم الترابي للدولة للحد من  ازدواجية وغموض المسؤوليتين السياسية والإدارية،  وإعادة النظر في العلاقة القائمة بين اللامركزية  واللاتمركز.

ـ وضع مسألة التشغيل في صلب السياسات العمومية، بلاعتماد على مقاربة شمولية تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الاقتصادية والمالية والنقدية والمؤسساتية، كما تأخذ بعين الاعتبار مختلف أنواع الخصاص في مجال الشغل والفئات المستهدفة، خاصة المرأة والشباب وحانلي الشهادا ت وتوسيع  عروض الشغل لتشمل كل الفئات و كل الجهات و توسيع التغطية الترابية لتشمل المراكز الحضرية بالإضافة إلى إنشاء وكالات متنقلة للتشغيل لتقريبها من العالم القروي، و ذلك لتقليص الفوارق الجغرافية بين الأقاليم والجهات في التشغيل،

-ـ دعم مختلف البرامج والمبادرات الرامية إلـى دعم برامج التمدرس ومحاربة الهدر المدرسي، والحرص على إعادة النظر في المناهج والبرامج و الأطر المرجعية المعتمدة وكذا في مختلف الشعب و التخصصات القائمة لجعلها تنسجم وحاجيات المقاولات والقطاع العام، دون إغفال إعادة الاعتبار للمدرس(ة) ماديا و معنويا باعتباره الآلية المحركة لعجلة الإصــلاح

ـ  إحداث نقلة نوعية في مجال الاستثمار ودعم القطاع الإنتاجي الوطني” وإصدار “ميثاق اللاتمركز الإداري” بشكل يتيــح للمسؤولين والفاعلين المحليين اتخــاذ القرارات وتنفيذ برامج التنمية الاقتصاديـــة و الاجتماعية، والتعجيل بإخراج “الميثاق الجديد للاستثمار” و”تفعيل إصلاح المراكز الجهوية للاستثمــار” و تمكينها من الصلاحيات للقيام بالمهام المنوطة بها،

ـ  إعادة الاعتبار لقطاع الصحة  عبر سد الخصاص على مستوى الموارد البشرية وتقريب الخدمات الصحية من المواطنين والمواطنات من خلال تحسين وضعية المؤسسات الاستشفائية القائمة على مستوى البنيات و الاستقبالات و الخدمات والاعتناء بأقسام المستعجلات وتزويدها بما يكفي من الموارد البشرية، والتفكير في بناء مستشفى جامعي بمواصفات دولية في كل جهة تدعيما لصحة القرب وتحقيقا للعدالة المجالية في المجال الصحي، دون إغفال الاعتناء بالعالم القروي الذي يعاني الأمرين على المستوى الصحي وإعادة النظر في نظام التغطية الصحية (راميد) وتصحيح ما يواجهه من اختلالات مالية وإدارية في إطار رؤية إصلاحية شمولية للمنظومة الصحية ككل، بالإضافة إلى تفعيل مبادرة “السجل الاجتماعي الموحد” قصد الاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي عبر اعتماد معايير دقيقة وموضوعية، وباستعمال التكنولوجيات الحديثة، مع إيــلاء عناية خاصة لدور العجزة و الأطفال في وضعية صعبة في إطار مقاربة تشاركية مع الجمعيات التي تنشط في المجـــال.

ـ تحقيق الأمن و القضاء: لأنهما وجهان لعملة واحدة، وهما القناة الوحيدة لتحقيق العدل والإنصاف و المساواة أمام القانون و تدعيم الحقوق و الحريات و محاربة الفســـاد والجريمة بمختلف أنواعها وتجلياتها، فكلما تحقق الأمن وبرز القضاء كسلطة مستقلة وعادلة ومنصفة، كلما تقوت الثقة في المؤسسات والقوانين، وكلما تنوعت فرص جذب الاستثمار الأجنبي على أن بتم التسريع بالأجكام والعمل بالمحاكم الإلكترونية.

ـ  المحافظة على البيئة وحماية التراث إذ لم تعد قضايا التنمية مرتبطة بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية و البشرية، بل امتد نطاقها لترتبط بالبيئــــــة التي أضحت هاجســـا يؤرق الدول و الحكومات في ظل التغيرات المناخية المقلقة و الضغط البشري و الاقتصادي على الموارد الطبيعية (ماء، تربة، غابة، معادن، ثروات سمكية..) التي بدونهــا لا يمكن خلق الثروة و إدراك التنمية البشريـــة، وذلك في إطار رؤيــة شاملة للتنمية تتـــأسس على الأبعاد الاقتصادية و الاجتماعية و البشرية والبيئية (التنمية المستدامة)، لذلك لابد أن تحضر القضية البيئيــة في المشروع التنموي المرتقب من خــــلال الحرص على الموارد الطبيعية وتثمينهــا و اتخــاذ جميع الإجراءات والتدابير الكفيلـــة بصيانتها و حمايتها خدمة للأجيال الحالية و ضمانا و صونا لحاجيات الأجيال القادمة، ونفس الاهتمام لا بد أن يحضى به التراث بشقيه “المادي” و “اللامادي” الذي يشكل حفظا للذاكرة الجماعية و صونا للهوية الوطنية، وهذا يتطلب وضع القضية التراثية في صلب المشاريع والمخططات التنموية، كآليــــة ينبغي استثمارها لخلق التـــــــروة وفرص الشغل و تعزيز التنمية الجهويــة.

ـ  تحقيق النزاهة و الشفافية بشكل أساسي لضمان الإصلاح المرتقب، عبر إتاحة المعلومة ووضعها تحت تصرف الجمهور وتفعيل مختلف مؤسسات وهيئات الحكامة والمحافظة على المال العام كالمجلس الأعلى للحسابات ومجلس المنافسة و الهيئة الوطنية للنزاهة ومحاربة الرشوة، وهذه المؤسسات لابد وأن تضطلع بمهامها واختصاصاتها الدستورية ومسؤولياتها الوطنية في تحقيق شروط النزاهة و الشفافية ومحاربة كل أشكال الريع واستغلال النفوذ ونهب المال العام، وهذا سيساعد على تجويد مناخ المال والأعمــال وجذب الاستثمارات الأجنبية وتحفيز الاستثمارات الوطنية، وبالتالي تحسين صورة المغرب على مستوى بعض المؤشرات الدولية ومنها على الخصوص “مؤشر مدركات الفساد” و” مؤشر الازدهار العالمي”،كما أن الانخراط الفعلي والصريح في سياسة مكافحة الفساد بكل تعبيراته من شأنه أن يطهر الحياة السياسية من الفاسدين والوصوليين والانتهازيين الذين يجرون خلف الكراسي والمناصب على حساب مصالح الوطن و المواطنين وإعادة ثقة المواطن في السياسة والأحزاب السياسية والانتخابات والديمقراطية وغيرها وتقوية الإحساس بالمواطنة والانتماء إلى الوطن، فضلا عن ما لذلك من انعكاسات إيجابيـــة على “الناتج الداخلي الخام” و “الدخل الفردي” .

وفي الختام لا بد من إقرارالالتقائية في السياسات العمومية تتقاطع فيها المؤشرات الاقتصادية (الناتج الداخلي، الخام، نوع وبنية الاقتصاد ..) والاجتماعية (نسبة الفقر، نسبة الأمية، المساواة بين الجنسين، التأطير الطبي ..) والسياسية (تطور الديمقراطية، مستوى حقوق الانسان والحريات..) والتعليمية (نسبة تعليم الكبار(15 سنة فأكثر)، نسبة التمدرس(أقل من 15 سنة) ..) والبيئيــة (التنمية المستدامة، ضرورة مراعاة البعد البيئي في برامج ومخططات التنمية ..) …إلخ، لكن يربط بينها “خيط رفيع” ويتعلق الأمر بمحاربة الفســاد وتفعيل آليات المحاسبة والعقــاب، و من الضروري استحضار هذه المؤشرات في الرؤى و التصورات التي ستتحكم في مشروع “النموذج التنموي” المرتقب، من أجل إقلاع تنمــــوي حقيقي وجدي قادر على تجاوز مختلف المعضلات التي يعاني منها المغرب على جميـــع المستويات.

نشر في أقلام حرة

لا زالت مسألة التعبير اللغوي من أبرز المشاكل التي يعاني منها التلميذ المغربي إذ غالبا ما يفضل أو يضطر إلى التعبير عن مسألة تستوجب التفصيل باختصار مخل يجمله في كلمة أو اثنتين مثل نعم أو لا أو رائع و ممتاز،وما هو برائع ولا ممتاز ولكن الفقر اللغوي هو الذي صيره كذلك؟،ناهيك عن الهجين اللغوي في الحديث العام في البيت وفي الشارع والمرفق العام والإعلام العمومي الذي لا يستطيع فيه العديد من الناس نطق جملة سليمة دون أن يخلطوا فيها بين كلمات ومصطلحات من مختلف اللغات واللهجات لا يستقيم تركيبها،ولكن الفقر اللغوي وربما الاستلاب والعقوق اللغوي جعلها تؤدي بعض المعنى هو في الحقيقة أقرب إلى اللامعنى؟؟. ناهيك أيضا عن إشكال عويص يرتبط بالكتابي كما بالشفوي وهو حينما يضطر التلميذ في إجاباته وامتحاناته أو ربما سؤاله وتواصله العام إلى التفكير باللهجة الأم وترجمة ذلك في ذهنه إلى اللغة العربية ثم إلى اللغة الأجنبية التي لا تسعفه مما يضعه في موقف يفضل فيه الصمت مكرها،وإنزال نفسه راضيا منزل التلميذ الذي لا يفهم ولا يشارك في القسم على أن يخوض غمار ترجمات لا يسعفه فيها لا فهم المعاني ولا لغة المباني؟؟.

        ويبقى التلميذ دائما هو الضحية بما يجني عليه العجز اللغوي في الدراسة أولا وفي التواصل المجتمعي الذي يكون فيه معاقا بامتياز ويضطر فيه كثيرا إلى التواصل بالإيماءة والسبابة أو بالسباب والشجار كل رصيده فيه كلمات نابية وحركات عنف مدمرة لنفسه قبل خصمه وغيره،ويجني على نفسه ثانيا في الترفيه أيضا إذ تستحيل عليه الألعاب الجماعية الممتعة وتستحيل عليه المواقع الإلكترونية المفيدة لا لشيء إلا لأنها تتطلب لغة رصينة عربية كانت أو أجنبية ليجد المسكين نفسه في مرتع الصور والألعاب المبددة للوقت والمقعدة للنمو الفكري والثقافي دون طائل؟.أما في الجامعة وما بعدها من رحلات البحث عن العمل خاصة في الخارج أو حتى في الداخل ولكن في التخصصات الجيدة،فدونه ودونها من جديد معاهد خصوصية  ودروس ليلية لإعادة التكوين والتأهيل وكأنه لم يدرس يوما شيئا وخاصة في مجال امتلاك اللغات ومجالات التدبير والتواصل(؟).

        عندها يندم التلميذ المسكين ولات حين مندم على ما كان قد تغيبه في حصص الدرس اللغوي،وما لم يتقنه من القواعد النحوية ولا عشقه من سحر البيان إلى درجة أنه كان كثيرا ما يعمد إلى شراء درهمين من "الزريعة" بدل شراء قصة بسيطة تسليه أو جريدة رخيصة توعيه،و ربما كان يعمد أحيانا إلى شراء علبة سجائر يخرب بها صحته بدراهم معدودات بدل شراء قاموس ينمي به رصيده اللغوي،وكان...وكان...وكان...وكان يحفظ ويغني العديد من "الريبرطوارات" الغنائية الركيكة بدل أن يحفظ ويرتل شيئا من محكم ينابيع اللغة العربية الفصحى ألا وهو القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة والأشعار الحكيمة والسير والمغازي وما نهل منهلها ولف لفها من الإبداعات الشيقة عبر الزمان والمكان. لماذا لا يكون عندنا تلاميذ شعراء،وإن في الشعر لحكمة ؟.لماذا لا يكون عندنا تلاميذ خطباء،وفي الخطابة قيادة وإرشاد؟.كيف هم تلاميذنا عموما مع الإبداع والاختراع والإنتاج بدل الاستهلاك،واللغة وعاء كل ذلك وامتلاك ناصيتها محركه ومحوره؟؟.

        لسنا بصدد البحث عن الحل،فالمسألة أعقد مما نتصور أو نقترح،المسألة كانت مشكلة قديمة ولازالت معضلة حديثة،حقيقية غير وهمية،وكم تكسرت عليها العديد من الجوانب التنموية الأخرى وتخلفت،ولم تفد في ذلك التحصرات ولا المتمنيات،ولا أسعفت فيها المبادرات الفردية ولا القرارات الإجرائية والمضامين الدستورية،رغم أهمية ذلك كله وضرورة استمراره بلا شك. ولعلي سأورد بعض الصور واللقطات التي تبين حجم المأساة والمتاعب النفسية والإدارية للمواطنين جراء هذا الموضوع،وفي طياتها أيضا بعض الحلول والمقترحات التي ستؤتي أكلها كلما تفاعل معها المعنيون وكلنا معنيون وإن من مواقع ومسؤوليات مختلفة؟؟.

اللقطة الأولى: اللغة ليست مجرد لغة وأداة تواصل بين الناس،بل هي روح وهوية وحاملة الأفكار والمعاني والمبادىء والقيم والأخلاق،وصدق من قال:"كما تتحدث كما تأكل،كما تلبس كما تتصرف"،ولعلنا سنقف على هذه الصورة جلية ناصعة بمجرد إطلالة بسيطة على الحرم الجامعي،فلكل شعبة طلبتها،ولكل طلبة ملبسهم وحديثهم ومظهرهم،وسلوكهم العام تحرريا كان أو محافظا،ولا مجال للمقارنة مثلا بين طلبة اللغة الفرنسية أو الإنجليزية و بين زملائهم في اللغة العربية أو الدراسات الإسلامية،سمتا ولباسا وحديثا ومعاملة قد تطال حتى الجنس الآخر؟؟،ومن هنا يبدأ الاختيار،هل نريد أن نكون كما نحن،متمسكين بلغتنا وهويتنا وقيمنا وأخلاقنا أم مجرد شخصيات زئبقية على هويات ولغات وثقافات الآخرين وإن ادعينا من الانفتاح والكونية ما ادعينا؟؟. 

اللقطة الثانية: استغربت كثيرا وأنا أقف في أحد شوارع المدينة على لوحة إشهارية لمؤسسة خصوصية تعنى بتعليم اللغات،مجمل اللغات الحية والتي ليست ضمنها اللغة العربية طبعا،حسب هذه اللوحة،ولماذا ستكون فيها اللغة العربية في الدراسة وهي لا يستعملها خريجوها في المقاولات والأعمال ولا في الفنون والسياحة والمعلوميات والمباريات والتبادل الدولي الذي تهتم به هذه المؤسسة؟؟.والغريب أن تجد آلاف من هذه اللوحات في شتى شوارع المدينة المغربية  وداخل مؤسساتها بلغات وأسماء يعلم الله لمن هي وأين هي،المهم أنه ليس بينها وبين السكان الطيبين إلا الخير والإحسان،و الأغرب من ذلك أن يكون هذا عاديا وساري الفرض في مجمل الإدارات والمؤسسات العمومية والخاصة،فتصدمك هذه اللغة الغريبة في وكالات التأمين بعقودها،و وكالات البريد والأبناك بأوراقها،وفي مكاتب الماء والكهرباء بفواتيرها و وصولاتها،وفي تفسير التناوب اللغوي في قانون الإطار،وفي مباريات ومقابلات التشغيل،بل حتى في الرد على خطوط هواتف المصحات والمكاتب ومراكز الإرشاد والاستماع؟؟،

        كل شيء "مفرنس و معرنس و مدرنج" أو"خلط جلط" رغم أنف الدستور والقوانين الوطنية والدوريات الحكومية،ومفروض على المواطن و هو ليس بالضرورة فرنسي اللسان،و من غطرسة الفرض لا يمنح له حتى إمكانية الاختيار بين أن تكون هذه الوثائق والمقابلات والمكالمات التي تعنيه باللغة الفرنسية أو باللغة العربية وهي اللغة الوطنية دستوريا إلى جانب أختها الأمازيغية وموضوعها أعرص،فهل بعد هذا استهتار واستخفاف بالمواطن،ونحن نتفنن في متاعبه النفسية ومشاكله الإدارية وعوائقه التواصلية،رغم ما يترتب عن ذلك من خروقات ومتاهات وإمضاءات والتزامات ومسؤوليات؟؟.

نشر في أقلام حرة

إن "العزوف السياسي كمفهوم يختلف عن العزوف الانتخابي، بحيث أن كثيرين لا يميزون بينهما، ومن الخطأ الاعتقاد بأن المجتمع المغربي لا يتابع الشأن العام وغير مواكب للأحداث السياسية أو أنه عازف عن المشاركة السياسية بمفهومها العام، بل بالعكس هناك اهتمام ومواكبة "لكن هناك ما يمكن أن نسميه بالاهتمام الحذر في ظل غياب شروط بناء ثقة بين المواطن ومؤسساته، وهو ما يجعل المواطنين يعزفون عن الإنتماء إلى الأحزاب السياسية، التصويت ، الترشح في الانتخابات وغيرها من مظاهر المشاركة السياسية الرسمية".".

أن أسباب هذا العزوف السياسي، أي العزوف عن المشاركة السياسية الرسمية، تعود إلى أسباب كثيرة منها تأثير طبيعة التنشئة السياسية المتأثرة ببيئة غير مشجعة على الانخراط في العمل السياسي خاصة في ظل وجود انطباع عام بلا جدوى المشاركة، وهو الانطباع أو الإحساس الذي تزكيه أعطاب بنية النسق السياسي على أكثر من مستوى..

أن خطورة العزوف السياسي تتمثل بالأساس في أنها تتناقض مع الديمقراطية، ذلك أن روح الديمقراطية هي المشاركة السياسية، وكلما توسعت نسبة المشاركة وتوسعت المكونات المنخرطة في العملية السياسية، كلما كانت روحها مشتعلة، وكلما تم إقصاء مكونات معينة عن الدخول في المجال السياسي، أو كانت العملية السياسية شكلية أو غير ذات مصداقية، إلا وكانت نسبة المشاركة والاهتمام بالعملية السياسية ضعيفا، ، إن الناس تشارك حين ترى أن هناك نفعا يعود عليهم، والعكس يدفعهم للعزوف، لأن المواطن يطرح سؤال جدوى المشاركة في مسار يعيد إنتاج نفس الواقع.

ويمكن تلخيص أهم أسباب العزوف الانتخابي في عدة عوامل أهمها:

*ضعف آليات إفراز النخب و تأطيرها وفقدان الثقة في الأحزاب والنقابات لما تعرفه من طابع تقليدي في استقطاب المواطنينوهو ما يبلور فكرة أساسية بأن المواطن ليس عازفا عن الممارسة السياسية بقدر ما هو عازف عن ولوج الأحزاب السياسية باعتبارها الآلية الرئيسية في تفعيل المشاركة

*ندرة التكوين و التأطير الفعلي للمواطنين ضعيفي الإلمام والاهتمام بالحقل السياسي مما يترجم غياب استراتيجية واضحة للمساهمة في الحياة السياسية عموما

* الوعود الكاذبة للمرشحين، غياب الديمقراطية داخل الحزب نفسه، الأخطاء السياسية للأحزاب، والمصالح الشخصية للسياسيين، عدم تمثيل مصالح الناخبين،

وبهذا أصبح الاهتمام ب "العزوف" الانتخابي أهم بكثير من الاهتمام بنتائج الاقتراعات، لأنه مؤشر على الصحة العامة للديمقراطية ومدى قبولها كنموذج للتسيير من طرف المواطن ومستوى نجاعتها في تقريب المُسَيِّر والمُسَيَّر، أي درجة رضى المحكوم عن الحاكم ومردوديته في خدمته والنيابة عنه لتمثيل مصالحه.
*لا يجب انتظار يوم الاقتراع لاكتشاف العزوف عن السياسة، بل نجد أول مؤشر له في عدد المنتمين للأحزاب المتبارية على المقاعد المحددة في الانتخابات، كيفما كانت طبيعة هذه الأخيرة. فالمنخرطون حزبيا هم الذين يشكلون القاعدة الأساسية لقوة أو ضعف أي حزب. والانخراط يعني من بين ما يعنيه أن المنخرط مقتنع ببرامج الحزب وتصوراته ومثله العليا وطريقة عمله. إنه نوع من الشخصنة بالحزب، أي الانخراط في هوية مشتركة لحزب ما. ويقود هذا إلى التأكيد بأن "الحملات الانتخابية" تبدأ بوقت أطول بكثير من موعد الانتخابات. والتحدي الكبير لجميع الأحزاب المغربية هو بالضبط إقناع أكبر عدد ممكن من المواطنين للانخراط في صفوفها، بما أن الممارسة الديمقراطية تحتم ذلك. ولهذا الإقناع واجهتان: تتمثل الأولى في الشرح المستمر لإستراتيجية الحزب، أي الالتزام المستمر بالرجوع إلى قاعدة الحزب كأداة لمشاركة المنخرطين في بلورة هذه الإستراتيجية، وبالتالي تحميسهم على تحمل مسؤولياتهم والانخراط في العمل الإجرائي في المجتمع.

 * من الأكيد كذلك أن التمثل السلبي لكل الأحزاب من طرف الناخب يساهم مباشرة في تعزيز العزوف عن الإدلاء بالصوت من طرف الكثير من الناخبين. فقد مُسحت الحدود الطبيعية في أيديولوجيات الأحزاب، بل تم نوع من التماهي بينها يقود إلى صعوبة التمييز بينها. فالتمييز التقليدي بين اليمين واليسار مثلا لم يعد واضحا بسبب ما يسمى بالتناوب التوافقي وما بعد التناوب التوافقي.

*إن العزوف عن الإدلاء بالصوت ل 47 في المائة من الناخبين، أي ما يفوق سبعة ملايين مواطن، هو ظاهرة من اللازم على الأحزاب أخذها محمل الجد، لأنها تعبر بالواضح عن فشلها مجتمعة في إقناع المواطنين للمشاركة في دمقرطة مؤسسات الدولة. ويمكن اعتبار العزوف هنا نوعا من المقاطعة وورقة إنذار لكل حزب يأخذ مسؤوليته السياسية محمل الجد. لا يحق للأحزاب الاستمرار في "كبت" هذا المعطى، لأنه ناقوس خطر، من اللازم أخذه في الاعتبار باعتباره من المؤشرات المهمة على نجاح الأحزاب أو فشلها

د:إن ضعف اهتمام المواطن بالشؤون السياسية للبلد الذي ينتمي اليه ينعكس وبصفة مباشرة على ضعف نسب المشاركة في كل عمل سياسي كالانتخابات التشريعية والترابية،مما يكون سببا في اتساع الهوة بين السياسات القطاعية المعتمدة وانتظارات المواطنين"،

*إن_ تنامي ظاهرة الرشوة الانتخابية _و تفشي ظاهرة الأمية والفقر بشكل لافت للنظر ببلادنا ;
_و ضعف المام واهتمام المواطن بالحقل السياسي ;_ واستمرار العمل بالمنطق الشخصي في التعامل مع القضايا المرتبطة بالحقل السياسي، الشيء الذي أجهزعلى مبدأي الشفافية والمساواة بين المواطنين في التنافس والتباري على مواقع المسؤولية السياسية المواطنة ;
*_ لقد شكلت مجمل الأسباب السالف ذكرها ،نقطة سوداء أثرت وبصفة أوتوماتيكية على مردودية الحقل السياسي ببلادنا الأمر الذي يمكن تلخيصه في فقدان المواطن الثقة في الأحزاب السياسية واعتبارها مجرد مؤسسات فارغة المحتوى لا تعبر الا عن نفسها، .

*فقد أصبح لزاما على القائمين على الفعل السياسي ببلادنا اعتماد مقاربة جديدة من أجل استقطاب وتأطير المواطنين ،مقاربة تعنى في جوهرها بتضمين انتظارات المواطنين الحية في البرامج الحزبية التي يجب تغييرها وتنميطها وبانتظام مع واقع عالم العولمة المتغير يوما بعد يوم ، ،وبالتالي يمكننا القول بأن اصلاح المنظومة السياسية ببلادنا لا يمكن أن يتم أو ينجح في معزل عن انشغالات المواطن المغربي ذلك لأن المواطن يعتبر نواة المجتمع الصلبة التي لا يمكن تجاهلها في أي مشروع اصلاحي كيفما كان نوعه.

*ومع التذكير بالأسباب السياسية الهيكلية أو الظرفية للعزوف الانتخابي سواء كان جماعيا أو فرديا إراديا أو لاإراديا فإن  السلوك الانتخابي يسائلنا " كيف ولماذا يصوت الفرد لمرشح أو لحزب أو لنقابة أو لتنظيم معين، وكيف يصوت ولماذا يشارك الفرد في الانتخابات ولماذا يمتنع عن المشاركة في الانتخابات.

* ولأن هذا السلوك مرتبط بالإنسان الذي له ميول وتوجهات فلابد ان يمتلك صفة عدم الثبات نتيجة تقلب سلوك الناخب وتغيير الجهة التي يصوت لها وهنا نكون امام اتجاهين للسلوك الانتخابي هما:
*اتجاه ايجابي: أي المشاركة الفاعلة في الانتخابات أو القيام بالترويج بمختلف الطرق للجهة التي يتبناها الناخب والقيام بعملية التصويت سواء كان ذلك عن إيمان بأهمية دوره في التغيير أو الانتماء الى الجهات والاحزاب المشاركة في الانتخابات أو عن قناعة راسخة بالمرشح وكفاءته القيادية وتوافق أهدافه مع أغراض الناخب وتكاملية العلاقة المنفعية بين الاثنين.

* اتجاه سلبي: أي امتناع الناخب وعزوفه عن المشاركة في الانتخابات بأي شكل من الاشكال بدءاً من التسجيل في سجل الناخبين وانتهاءً بالمشاركة في التصويت، وفي بعض الاحيان يقوم بترك ورقته بيضاء أو يقوم بما يبطل تلك الورقة، وهو سلوك متعمد يدركه الناخب ويقوم به عن قناعة، وقد لا يقتصر الامر على الافراد بل يتحول إلى امتناع تمارسه الجماعة لعدة اسباب منها:
• 
الشعور بعدم جدوى الانتخابات في التغيير.
• 
الشعور بالظلم من قبل الاغلبية الحاكمة.
• 
قد يعبرون عن آراء احزابهم المعارضة التي لا تشارك هي الاخرى في الانتخابات.
• 
تعثر الدولة في توفير ظروف ملائمة تيسر العملية الانتخابية.
وقد يكون الامتناع لغير الاسباب المذكورة ودون عذر مبرر لذلك الامتناع.

كما ان هناك عوامل مؤثرة في السلوك الانتخابي بشكل خاص ومنها:

أ-الاسرة: حيث يعتقد الباحثون ان الاطفال يعتنقون غالبا القيم الايديولوجية التي يؤمن بها آباؤهم إن إيجابا بالتشجيع على المشاركة السياسية أو سلبا بمنعهم من المشاركة أو الانتماء إلى الأحزاب.
ب-البيئة التعليمية: حيث يؤثر المعلمون والمدرسون في طلابهم وعادةٍ ما يتأثر هؤلاء الطلاب بمعتقدات وافكار معلميهم ومدرسيهم فمن سن الرابعة حتى الثامنة عشر يقضي الاطفال ما يقرب ربعا من وقتهم منخرطين في العملية التعليمية بالإضافة إلى الممارسة الديمقراطية داخل الفصل أو داخل المؤسسة كالتدريب على الانتخابات للتعاونيات المدرسية أو المكلفين بالقسم أو ممثلي التلاميذ في مجالس الأقسام أو المجالس التأديبية اما الدراسة الجامعية فترفع بدرجة كبيرة تأثير الوعي السياسي والتوجيهات السياسية من خلال الاتحادات الطلابية والمنظمات الموازية للأحزاب السياسية في الجامعة وممثلي الطلبة في الأحياء الجامعية والأندية الرياضية والثقافية ...الخ ففي دراسة اجريت علم 2004 على1202 طالب في المرحلة الجامعية في جميع انحاء الولايات المتحدة تبين ان 87في المائة من الطلاب الجامعيين مسجلون للتصويت في الانتخابات مقارنة بمتوسط وطني يبلغ 64في المائة من الامريكيين البالغين. كما بيّنت الدراسة ايضاً ان مرحلتي الطفولة والبلوغ في نمو الشخص تتميزان بأعلى مستويات التأثير.
ج-المرجعيات الدينية والاجتماعية: حيث تؤثر بشكل كبير في سلوك الناخب واتجاهاته التصويتية وفقا لطبيعة شخصيته فيما إذا كان ملتزماً دينياً فيتأثر بشكل كبير بآراء الزعامات والمرجعيات الدينية التي يكون لها قوة الالزام الروحي والديني وقد تصطبغ هذه الآراء السياسية ببعد ديني عقائدي عندما تصدر على شكل فتاوى،

د: وسائل الاعلام: حيث تؤثر المؤسسات الاعلامية بشكل كبير جدا في اتجاه الناخبين فيما تمارسه من توجيه مباشر وغير مباشر وبطرق مختلفة وقد اكدت العديد من الدراسات والبحوث ان تعرض الانسان لوسائل الاعلام يترك اثراً واضحاً على سلوكه الفردي والاجتماعي وهذا يسهم في صقل وتكوين شخصية الفرد من خلال ما تغرسه وسائل الاعلام في نفوس المتلقين (المستقبلين للرسائل الاعلامية) من قيم ومبادئ   بالإضافة إلى أهمية استطلاعات الرأي وتأثيرها على اتجاهات الناخبين

إلا ان من اهم العوامل المؤثرة في السلوك الانتخابي؛ النشأة السياسية للناخب وتعرف النشأة بأنها عملية تلقين الفرد مقاييس ومفاهيم مجتمعه الذي يعيش فيه بحيث يصبح متدرباً على اشغال مجموعة ادوار تحدد نمط سلوكه اليومي وبعبارة أخرى هي العملية التي يكتسب بها الافراد ثقافة مجتمعهم فيكسبون بها المعاني والقيم الخلقية والروحية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتي يدين بها المجتمع بصفة عامة

ويرتبط السلوك الانتخابي في أي مجتمع بأنماط تكوين ذلك المجتمع (بدوي، عشائري، حضري، ريفي) وكل واحد من هذه الانماط له محددات تنعكس على سلوك الناخب الذي يركز على قضاياه الخاصة. فاهتمامات الفرد في الريف تختلف عن اهتمامات ابن المدينة، وكذلك احتياجاته وثقافته والناخب والمرشح ابن بيئته وهي التي تحدد السلوك الانتخابي والعوامل المؤثرة فيه والذي على اساسه تتحدد نوعية المــشـــاركــة الــسيــاسيــة

إن السلوك الانتخابي في مجتمع البادية يتحدد بوضع الالتزام الاجتماعي للناخب بأبناء قبيلته من المرشحين فالعامل العشائري هو المحرك الاساس لسلوك الناخبين، الذين يركزون على مواضيع وقضايا تهم افراد المجتمع في البادية، وطبيعة الخدمات التي ستقدم لهم وتلتزم بسلوك انتخابي يركز على قضاياه الخاصة والخدمات التي يقدمها المرشح دون أي اهتمام بمستوى طرح المرشح لبرنامج سياسي يتناول قضايا المجتمع بأكمله.

كما أن متغيرات سوسيو- ديموغرافية تؤثر في المشاركة السياسية كالسن والجنس ومكان الاقامة، فقد ينتخب الرجال أكثر من النساء في بعض الأوساط والعكس صحيح في أوساط أخرى أو يميل الشباب الى المشاركة أكثر من كبار السن في دوائر معينة والعكي صحيح قي دوائر أخرى.
والمرشح يجد قاعدته الجماهيرية في بلدته التي له فيها روابط عائلية مقارنة بالمناطق الاخرى حيث ترسم الملامح المحلية المعالم الاساسية لشكل الخارطة السياسية.

إن البيئة الاجتماعية تعتبر اساسية لفهم السلوك السياسي، فالطبقة المثقفة من مفكرين وكتاب لا يمكن ان ينتخبوا إلا من يشعرون أنه فعلاً يمثلهم وكذا الكفاءات العلمية، وما يترتب على ذلك من مؤثرات على السلوك الانتخابي.
وقد ترتبط العملية الانتخابية بمصلحة الناخب سواء كانت مادية أو معنوية آجلة أو عاجلة وقد ترتبط تلك المصلحة بهاجس الامن والخوف من عدم الاستقرار الامني بسبب وجود خطر خارجي قد يستثمره المرشح باستغلال هذا الخطر وتوظيفه كعنصر حاسم في الانتخابات بتصوير نفسه القادر على ردع هذا الخطر واتهام منافسيه بالضعف والتردد.
وقد تتعدد صور وانواع الاغراءات التي يمارسها بعض المرشحين تجاه الناخبين وقد يتكرر هذا السلوك حتى أصبح عادة ثابته في سلوك بعض المرشحين اثناء الحملات الانتخابية وقد يتجلى هذا السلوك إلى اربع صور هي:
• 
الهدايا والهبات العينية والنقدية: اذ تم رصد بعض المرشحين من اصحاب رؤوس الاموال والمقاولين وهم يوزعون مختلف انواع السلع على الناخبين بالاضافة إلى مبالغ نقدية بحجة اعانات ومساعدات
• استئجار المصوتين: ونقصد به قيام بعض المرشحين باستئجار مجموعات كبيرة من الناخبين بعنوان مراقبين في مكاتب التصويت أو مساعدين في الحملة الانتخابية نظير اجر يومي إلا ان الغاية الحقيقية هي شراء اصوات هؤلاء الناخبين وضمان اصوات معارفهم (الاقارب والاصدقاء) وقد اسهم هذه السلوك في فوز معظم المرشحين الذين مارسوه.
• 
مارس بعض المرشحين من هم في مراكز القرار بالبلديات والقرويات  سياسة تقديم بعض الخدمات للناخبين خاصة فيما يتعلق بإكساء وترصيف وتحجير وتزفيت بعض الطرق والمسالك وإيصال الماء أو الكهرباء إلى المناطق للمهمشة والنائية  والعشوائية .

هذا بالإضافة إلى المرشحين  الذين يهيؤون للانتخابات باكرا بواسطة الجمعيات الخيرية والإحسانية  وجمعيات الأحياء بتقديمهم الأضاحي بمناسبة عيد الأضحى لبعض العائلات الفقيرة أو القيام بتحمل تكاليف الجنازات أو حفلات إعذار الأطفال والدخول المدرسي والمناسبات الدينية وقفة رمضان وحتى قفف الأسواق الأسبوعية. 

نشر في أقلام حرة